رحيل صدام فكرة غير واقعية تتمناها واشنطن   
الاثنين 1423/11/18 هـ - الموافق 20/1/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

اكتسبت فكرة نفي الرئيس العراقي صدام حسين قوة دفع جديدة بإعلان واشنطن على لسان كبار مسؤولي إدارة الرئيس جورج بوش تأييدها لها.

يهدف الاقتراح أساسا إلى تجنيب الشعب العراقي ويلات الحرب بإقناع صدام حسين بالتنحي عن السلطة والرحيل إلى دولة أخرى تمنحه اللجوء السياسي. وقد تداول عدد من كبار السياسيين والكتاب والمثقفين العرب هذا الاقتراح قبل أن يتبلور وفقا لأنباء ترددت في صيغة رسمية تسعى دول عربية لإقناع صدام بقبولها بوصفها الحل الوحيد لتجنب حرب شبه مؤكدة.

وتشير هذه الأنباء أيضا إلى وجود مبادرة سعودية بالعفو عن كبار الزعماء العراقيين كوسيلة لتكثيف الضغط على صدام للتخلي عن السلطة. وزعمت مصادر دبلوماسية في الخليج أن المملكة العربية السعودية اقترحت أن تمنح الأمم المتحدة أو المجتمع الدولي عفوا عن جميع كبار الزعماء العراقيين عدا عدد من أبرزهم لأن ذلك وسيلة لعزل صدام ويحتمل أن يشجع على الانقلاب عليه أو خروجه إلى المنفى.

ورغم النفي الرسمي للسعودية وبقية الدول العربية لذلك فإن إدارة بوش سرعان ما تلقفت الاقتراح بوصفه وسيلة للإطاحة بصدام دون تكلف عناء حرب فشلت واشنطن حتى الآن في إقناع دول المنطقة والعالم بمبرراتها إلى جانب تزايد رفض الرأي العام الأميركي لها وخروجه في تظاهرات حاشدة بالعاصمة واشنطن تطالب بوش بعدم الاندفاع إليها.

دونالد رمسفيلد
ولأن رحيل صدام سيحقق الهدف الرئيسي لواشنطن من الحرب المحتملة وهو السيطرة على النفط العراقي فقد سارع المسؤولون الأميركيون في تصريحات لشبكات التلفزة إلى إعلان الترحيب بالفكرة التي تجنبهم تكاليف باهظة لحرب قد لا يكون الكونغرس أيضا مقتنعا بضرورتها. وبحسب وزير الدفاع دونالد رمسفيلد فإنه سيكون سعيدا إذا قبل الرئيس العراقي الخروج إلى المنفى، بل إنه يؤيد اتخاذ أي إجراء لتوفير ملاذ لكبار القادة في ذلك البلد وعائلاتهم في دولة أخرى.

أما وزير الخارجية كولن باول فنصح صدام بأن يتقبل مثل هذه الأفكار إذا عرضت عليه، لكن مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس أعربت عن شكها في أن يرحل صدام طوعا وقالت إن الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك هي الإجبار في إشارة إلى الحرب.

هذا التأييد الأميركي يعطي الاقتراح زخما، فقد جاء بمثابة ضوء أخضر لدول المنطقة لبحثه خاصة مع استعداد تركيا لاستضافة مؤتمر إقليمي دعت إليه كلا من السعودية ومصر وسوريا والأردن وإيران. وقد تكون أنقرة التي أعلنت أنها تسعى حثيثا لتسوية سلمية للأزمة أثارت هذه الفكرة بالفعل أثناء جولة رئيس وزرائها عبد الله غل الأخيرة في المنطقة رغم أنه رفض الكشف عن طبيعة المقترحات التي بحثها مع الزعماء.

عبد الله غل وحسني مبارك

الضوء الأخضر الأميركي ليس كافيا لتفعيل هذا الاقتراح، فمن المؤكد أن صدام يرفضه خاصة بعد أن وصفته بغداد بأنه من أساليب الحرب النفسية وما أعلنه وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف في الخرطوم أنه "سخف لا يقل عن غيره".

ويبدو أن الدول العربية أيضا لا ترحب بذلك، وفي هذا الصدد يبرز تصريح الرئيس المصري حسني مبارك الذي قال عقب محادثاته بالرياض إن بعض الأفكار المطروحة لا تستحق المناقشة.

ويتضح من ذلك أن الزعماء العرب يخشون أن يكون نفي صدام سابقة يمكن تكرارها مع دول أخرى وزعماء آخرين قد ترى واشنطن في أي وقت وجوب رحيلهم عن السلطة. كما أن ذلك يتناقض مع الخطاب الرسمي العربي بشأن الأزمة العراقية والذي يؤكد رفض التدخل في الشؤون الداخلية للعراق.

وبينما لم يكشف مفتشو الأسلحة في العراق بعد عن أي أثر أو دليل دامغ على وجود برامج عراقية لتطوير أسلحة الدمار الشامل، تؤكد الولايات المتحدة مرارا أن القصد من عمليات التفتيش هو اختبار مدى تعاون العراق مع قرار مجلس الأمن وليس محاولة العثور على أسلحة مخبأة.

وفي ضوء ذلك تبقى الكلمة الفصل لواشنطن في تحديد مدى التزام بغداد بقرارات مجلس الأمن، وقد يمثل أول تقرير للجنة التفتيش عن الأسلحة إلى مجلس الأمن يوم 27 يناير/ كانون الثاني الجاري بداية المرحلة النهائية لتسوية الأزمة إما سلما أو حربا. وحتى ذلك الحين تبقى فكرة رحيل صدام طوعا بعيدة تماما عن أرض الواقع في المنطقة بصرف النظر عن إمكانية تداولها رسميا أو حصولها على تأييد شعبي عربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة