"ترانس كندا".. مغامرة فتاة مصرية نحو الحرية   
الخميس 1436/3/17 هـ - الموافق 8/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:31 (مكة المكرمة)، 16:31 (غرينتش)

هيثم حسين

تعقد المصرية سماح صادق في روايتها "ترانس كندا" نوعا من المقارنة بين طبيعة الحياة في مصر وكندا، وبشكل خاص من حيث تصوير واقع المرأة المصرية بين الداخل والخارج، ومعاناتها جراء العادات والتقاليد والممارسات السلطوية التي تبقيها مقيدة في تصرفاتها، وكيف أن مطالبة المرأة بحقوقها السياسية والاجتماعية والإنسانية تضعها موضع الشك، وقد تتسبب لها في أقاويل ومزاعم تنال منها ومن سمعتها.

ترصد صادق المقيمة في كندا في روايتها -التي نشرتها دار المصري بالقاهرة 2014- طبيعة الحياة في القاهرة قبل ثورة 25 يناير على نظام مبارك، وكيف أن الفساد كان مستشريا بطريقة أخطبوطية في شتى مؤسسات الدولة، وطريقة تعامل الشرطة مع الناس، واستغلالهم والضغط عليهم، وكيف أن الأمر استمر عبر تجديد الفاسدين لأدواتهم وآلياتهم تاليا لتتناسب مع المرحلة الثورية الجديدة، وطبيعة العلاقات الناشئة، لتبرز أن عملية الترقيع السياسي والاجتماعي تبقي على العلل المتأصلة ولا تداويها، وإن كانت تحاول أن تواريها أو تداريها إلى حين.

فساد عابر للقارات
تظهر الكاتبة أن دوائر الفساد لا تكتفي بالتسلط على المصريين في الداخل فقط بل تطالهم في مهاجرهم أيضا، كحالة السياسي الفاسد والد يوسف، إذ يقوم بإخراج ابنه المدمن إلى كندا بعد ارتكابه لعدد من التجاوزات والجرائم، ويقوم بحمايته والتغطية عليه، ثم يدمر الفتاة البسيطة التي أحبته، وهي التي تظل باحثة في صقيع الغربة عن ذاتها المهدورة في الوطن.

تصور سماح صادق التناقض الواقعي الكامن في تحويل البلاد إلى مكان موحش يشعر فيه أبناؤه بالاغتراب، ويفتقدون الدفء والأمان والحنان، وعلى النقيض من ذلك تصبح الغربة ملاذا آمنا

تصور سماح التناقض الواقعي الكامن في تحويل البلاد إلى مكان موحش يشعر فيه أبناؤه بالاغتراب، ويفتقدون الدفء والأمان والحنان، وعلى النقيض من ذلك تصبح الغربة ملاذا آمنا، حيث يكتشف المغترب الدفء في مهجره، ويتحسر على الأعمار المبددة والطاقات والجهود الضائعة في بلده.

الراوية إيمان هي فتاة مصرية من بيئة شعبية بسيطة، يقودها طموحها إلى تحدي المستحيل والظفر بالسفر إلى كندا لتقيم هناك بعد أن يكون حبيبها يوسف قد سبقها، وتبدو رحلتها بداية كأنها مطاردة لحلمها وحبها، في حين أن الحبيب الذي لا تلبث أن تعثر عليه يرحل إثر حادثة مرورية لتظل وحيدة تعاني آلام غربتها، ويتم استغلالها من قبل بعضهم، ثم تقوى شخصيتها بعد تجارب مريرة وتقرر أن تختط لنفسها دربها في الحياة باستقلالية كما اعتادت.

تسير الرواية في خطين متوازيين، خط الواقع وخط الذاكرة. يحفل الواقع بكثير من المتغيرات، إذ تنتقل إيمان من مدينة إلى أخرى، وتكتشف ذاتها مع كل تجربة، ويكون انتقالها على خريطة كندا تمهيدا لخط الذاكرة، إذ تفسح رحلاتها المجال للذكريات كي تتدفق عليها، وتهيمن بنوع من التلبس والتملك، لكنها تتمتع بجرأة المساءلة ولا تركن إلى الضعف، وتبحر في عالمها الجديد متعلمة من أخطائها وتجاربها، متخففة من آثارها السلبية عليها.

التغيير يكون أبرز نقطة في حياة المهاجرة المصرية، يطال حتى الاسم في مسعى لتغيير الذهنية والسلوك، فإيمان تصبح إيمي، وكأن تغيير الاسم بوابة للعالم المختلف الجديد، تتحرر فيه من إرث الاستبداد والقمع والقهر، لتبحث لنفسها عن موطئ قدم وفسحة حياة وأمل. وتظل مسكونة بهول ما لاقته، فأمها انتحرت ولم تتحمل ظلم زوجها المدمن، والنساء من حولها يصلن إلى درجة يتواطأن فيها على أنفسهن مع بعض الرجال. إن هدر الإنسانية سمة عامة تحاول التخفيف منها.

"ترانس كندا" هو اسم مجموعة الطرق السريعة التي تربط كل المدن الكندية. وهو بالتالي مجموعة الدهاليز التي تربط بطلة الرواية بماضيها، وتبحر معها في خريطة وجعها وأساها. تراها تنبش عن الحكمة فيما كان والعبرة فيما جرى، وبين الهرب من الماضي والتصالح معه تدور عجلة حياة إيمي لتجد أن الماضي هو الطريق الوحيد الذي لا يمكن للإنسان السير فيه مرتين، وأنه الطريق الذي تقطعه لتصل إلى اللحظة الحاضرة.

حالات ومفارقات
تحكي سماح عن مفارقات الاغتراب واللجوء في كندا، وحالات التحايل التي يقوم بها الأجانب للظفر ببعض الامتيازات والمكاسب الإضافية، وتعاملهم بطريقة ماكرة مع بلاد احتضنتهم ومنحتهم الأمان والاستقرار ووفرت لهم حياة كريمة لائقة.

تحكي الرواية عن مفارقات الاغتراب واللجوء في كندا، وحالات التحايل التي يقوم بها الأجانب للظفر ببعض الامتيازات والمكاسب الإضافية، وتعاملهم بطريقة ماكرة مع بلاد احتضنتهم ومنحتهم الأمان والاستقرار

ويحضر نوع من التقريع وجلد الذات لدى الكاتبة عبر الإشارة إلى الأوبئة الاجتماعية في محاولة لتشخصيها وتداركها، فبطلتها امرأة تريد الاعتماد على نفسها لا غيرها، تعشق الحرية وترى أن البلد يغرق في الذل، أهله يشحذون لقمتهم ورغبتهم في الزواج، ومساكنهم الشعبية وكل الطرق لم توصلهم إلى شيء، الأبواب موصدة في وجوههم. وتستذكر كيف كان الحديث العام يتمحور حول تغيير الدستور والاستفتاء والتوريث، وضرورة البحث عن مخارج للخلاص الفردي بعيدا عن ذهنية التحكم في الآخر.

تجد إيمي نفسها محكومة بالهرب والرحيل والفقدان، ترحل من مكان إلى آخر، تهرب من مجهول إلى مجهول، تغير مدينتها وبيتها لكنها تواسي نفسها كل مرة، وبنوع من المفارقة تقول إنه رغم أن دروس اللغة وبرودة الطقس تعذبانها، لكن أصعب مشكلة تواجهها أسهل كثيرا من ركوب ميكروباص في مصر. وتجد نفسها محكومة بالنقائض، لاسيما في علاقتها بالجسد والنظرة إليه والتعاطي معه.

إيمان التي تعيش المغامرات بدءا بعملها في السياحة ثم قرارها السفر، وصولا إلى كندا التي تصفها بأنها أرض الحرية الوهمية والمواعيد المضروبة بالنسبة لها، لأنه "لا حب حقيقي هناك سوى حب الشخص لذاته"، بحسب ما تقول، توقن بأن بطولتها تكمن في احتفاظها بروحها بعيدة عن التلوث، وأن الحياة الحقيقية ليست حاصل عملية حسابية أو مجرد نتيجة نهائية، بل تتمثل في الأسباب المؤدية للكسب والخسارة، هي التفاصيل الدقيقة في كل معادلة، هي الشخص قبل أن يقابل غيره وبعد أن يمر بتجارب معهم، وهي ممتدة وغير نهائية، وأن الإنسان هو السر والحياة هي ما يصنعه بنفسه.

تستعيد الروائية التذكير بممارسات سلطوية للضغط على المعارضين وتلفيق الاتهامات لهم ولذويهم، وذلك مع غض النظام النظر عن كثير من التصرفات التي من شأنها تعكير صفو المجتمع، وتنامي ظاهرة التحرش التي أصبحت سلاحا وأداة بيد بعضهم للنيل من المختلفين معه. كما تصف الأوضاع العامة التي تتسم بهشاشة مرعبة، بحيث إن المظاهر الخداعة لا تزال تحاول التعمية على العلل المستوطنة الكثيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة