أنقرة وواشنطن.. من الصداقة للتنافس   
الخميس 1431/6/21 هـ - الموافق 3/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:56 (مكة المكرمة)، 14:56 (غرينتش)

الرئيس التركي عبد الله غل (يمين) مستقبلا أوباما في زيارته تركيا العام الماضي
 (الفرنسية-أرشيف)

ستيفن كوك-فورين بوليسي

من الصعب الاعتراف بأن الولايات المتحدة وتركيا أصبح بينهما تنافس إستراتيجي بعد ستة عقود من التعاون الإستراتيجي خاصة في الشرق الأوسط, وهذه هي النتيجة المنطقية للتحول العميق في السياسات التركية الخارجية والداخلية والتغيرات في النظام الدولي.

ومما رسخ هذا الواقع الرد التركي الغاضب على مهاجمة إسرائيل أسطول السفن الذي نظمته تركيا لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة والذي تسبب في مقتل تسعة أتراك على الأقل.

وقد وصف وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الحادث بأنه "عملية قتل نفذتها دولة"، كما تزعمت تركيا المساعي في مجلس الأمن الدولي لإصدار إدانة قاسية بحق إسرائيل.

ربما كانت أحداث الاثنين دعوة من أجل صحوة مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية، خاصة أن طبقة من المسؤولين الأميركيين كانت تحن للعودة إلى فترة قصيرة من التاريخ عندما كانت المصالح الأميركية والتركية الأمنية متطابقة بسبب التهديد المشترك الذي كان يمثله الاتحاد السوفياتي لهما، بيد أن العودة إلى الأيام السعيدة من العلاقات التركية الأميركية أمر بات متعذرا بشكل متزايد.

وتأتي هذه الوقائع المستجدة معاكسة لآمال الرئيس باراك أوباما الذي قوبل تنصيبه بالاستحسان وراهن مسؤولو البلدين على أن تؤدي مقاربة إدارته الدولية التي تشدد على الحوار الدبلوماسي والتعددية والاستقرار الإقليمي إلى قبولها من جانب حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم.

وقد أوضح البيت الأبيض منذ البداية أن تركيا تعتبر الأولوية بالنسبة لأوباما الذي أطلق مصطلح الشراكة النموذجية بين البلدين، إذ إن تركيا تتمتع بمجموعة من المساهمات والإمكانيات التي يمكنها مساعدة الولايات المتحدة على تحقيق مصالحها في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز.

ومن الطبيعي الاعتقاد بأن تركيا تتقاسم المصالح مع الولايات المتحدة في تلك المناطق لكونها حليفا لأميركا منذ زمن طويل, وهذه كانت فكرة على أية حال.

هذه هي الأمور من الناحية النظرية لكن عندما يتعلق الأمر بنظام الرئيس الأسد في سوريا تقف واشنطن وأنقرة على طرفي نقيض.

وقد التزم الأتراك جانب الهدوء بخصوص المزاعم والاتهامات الأميركية والإسرائيلية التي تقول بأن سوريا إما أن تكون قد نقلت صواريخ سكود إلى حزب الله أو أنها دربت مقاتليه على استخدامها داخل سوريا، فما الذي سيفعله الأتراك إن شنت إسرائيل هجوما استباقيا لضرب تلك الصواريخ التي يعتقد أنها حاليا في الجانب السوري من الحدود بالقرب من وادي البقاع، أو إذا قام الجيش الإسرائيلي بنقل المعركة إلى داخل الأراضي اللبنانية حيث يوجد 367 جنديا تركيا يخدمون في قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان؟

أوباما (وسط) أثناء زيارته أحد المساجد في إسطنبول (رويترز-أرشيف)
أيا كان السيناريو بالضبط, فإن الحرب على حدود إسرائيل الشمالية مرجحة بشكل متزايد, وفي هذه الحالة فإن أميركا ستؤيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس على خلاف تركيا.

ربما كانت إيران هي القضية الأكبر التي تفرق بين واشنطن وأنقرة, فهناك جدل كبير يختمر حول ما قالته إدارة أوباما لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس البرازيلي لولا داسيلفا قبل أن يشد الزعيمان الرحال إلى طهران في مايو/أيار الماضي، حين تمكن الزعيمان من إبرام صفقة يتم بموجبها نقل 1200 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني المنخفض التخصيب إلى تركيا لمبادلته بوقود نووي لمفاعل البحث العلمي في طهران.

وعلى الرغم من أخطاء إدارة أوباما, فإن الصفقة التركية البرازيلية تظهر مقدار الفجوة بين واشنطن وأنقرة بشأن إيران, لأن إدارة أوباما تنظر إلى الصفقة بخصوص مفاعل الأبحاث في طهران على أنها محاولة إيرانية لحرمان واشنطن من حلفائها الأوروبيين والصينيين والروس لتحبط بذلك جولة جديدة من العقوبات بتفويض من الأمم المتحدة في الوقت الذي يستمر الإيرانيون في تخصيب اليورانيوم.

أما الأتراك فيرون في الصفقة بداية واعدة للمهمة الصعبة الهادفة إلى دفع واشنطن وطهران إلى مفاوضات على نطاق أوسع.

قد يكون من السهل الوقوع في مغريات توجيه اللوم إلى الأسلمة الزاحفة في التحول الطارئ على السياسة الخارجية التركية، فمن غير الممكن إنكار وجود عنصر عقائدي أو أيديولوجي في خطاب أردوغان خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

ومع ذلك فإن رئيس الوزراء ليس هو مهندس السياسة الخارجية التركية بل وزير الخارجية أحمد داود أوغلو هو المسؤول عن النشاط الدولي التركي الجديد, وهو شخص لبق الحديث وقارئ مثقف وليس إسلاميا لكنه أدرك –بشكل صحيح- أن تركيا قادرة على لعب دور في عالم متغير، وهو يرى بشكل صحيح الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في عالم شديد التغير.

فالتغييرات البنيوية التي نشأت بانتهاء الحرب الباردة، ومواصلة أوروبا رفضها لانضمام تركيا تضاف إليها الفرص الاقتصادية في الجوار التركي جنوبا وشرقا وشمالا، هي ما يقف وراء تحرك تفكير أوغلو وليس القرآن.

أوباما (يمين) مستقبلا أردوغان في البيت الأبيض (الفرنسية-أرشيف)

علاوة على ذلك وعلى الرغم من المعركة السياسية المريرة التي تدور رحاها في تركيا حول مسار البلاد السياسي, هناك اتفاق عام في أوساط الطيف السياسي التركي على اتجاه السياسة الخارجية التركية.

لو كانت في تركيا حكومة أخرى، لالتزمت على الأرجح جانب الحذر فيما يخص اتفاق مفاعل طهران للبحث العلمي, لكنها وبكل تأكيد كانت ستسعى لإقامة علاقات جيدة مع كل من إيران والعراق وسوريا إن لم نذكر روسيا.

ومن هذا المنطلق، لا يزال يتعين على إدارة أوباما أن تعمل جاهدة على فهم ومعرفة ما أثرت به التغيرات البنيوية في النظام الدولي على العلاقات التركية الأميركية, فكل الحديث عن التعاون الإستراتيجي والشراكة النموذجية والأهمية الإستراتيجية لا يمكنه حجب التغيير الأساسي الذي حصل.

فالحقيقة الصارخة تقول بأن تركيا والولايات المتحدة رغم أنهما ليستا أعداء في الشرق الأوسط فإنهما تتجهان بسرعة إلى التنافس.

ففي الوقت الذي تسعى فيه أميركا للاحتفاظ بدور القوة المهيمنة في المنطقة والحفاظ على نظام سياسي يمكنها من تحقيق أهدافها بشكل أسهل، ترى تركيا الأمور بشكل مختلف لأن الأتراك يريدون تطويع وتشكيل القوانين الإقليمية من أجل الحفاظ على مصالح أنقرة, فإن أدت السياسات هذه إلى خدمة الأهداف الأميركية فلا ضير في ذلك، وإلا فليكن ما يكون.

وفوق ذلك كله، لقيت المقاربة التركية شعبية كبيرة في تركيا وفي الشارع العربي، الأمر الذي يفسر الرغبة الشديدة لدى أردوغان في مناقشة دور تركيا المؤثر في الشرق الأوسط، حتى في المناسبات واللقاءات العادية بدءا من إسطنبول وانتهاء بالحدود الأرمنية.

ومرد ذلك إلى أن أردوغان وحزبه يعتقدان بإمكانية الاستفادة محليا من الوضع حيث بدأ نجم تركيا يسطع في الشرق الأوسط, لكن ما يزعج واشنطن هو أن متطلبات السياسة الداخلية التركية في الوقت الحالي تتفوق على حاجة أنقرة للحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

ختاما، وعلى ضوء الأساطير التي تحيط بهذه العلاقة, بات جليا أنه من الصعب القبول بالتباعد بين واشنطن وأنقرة.

وعندما يدرك صناع السياسة ما يجري حقا تستطيع واشنطن وأنقرة العمل على السيطرة على تدهور العلاقات بينها بأقل الأضرار, ويجب أن يكون هدف أوباما هو تطوير العلاقة مع تركيا كما فعل مع كل من البرازيل وتايلند وماليزيا، وإن كانت دون مستوى التحالف الإستراتيجي.

قد يكون مصطلح "العدو الصديق" وصفا شديد القسوة للعلاقة التركية الأميركية، لكن من المؤكد أن وصفها بـ"الشراكة النموذجية" يعتبر أيضا مبالغة كبيرة، فقد حان الوقت للاعتراف بالحقيقة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة