الرواية والفيلم تحت مجهر "الأدب القصصي والسينما"   
الثلاثاء 28/12/1435 هـ - الموافق 21/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:58 (مكة المكرمة)، 9:58 (غرينتش)

كمال الرياحي

صدر عن المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون "بيت الحكمة" بتونس كتاب مهم موسوم بـ"الأدب القصصي والسينما"، وهو عمل جماعي لعدد من الباحثين والسينمائيين والنقاد العرب والأجانب تحت إشراف السيناريست التونسي علي اللواتي.

وقد تضمّن الكتاب -الذي ورد في في ثلاثمائة صفحة- أكثر من 25 شهادة ودراسة علمية باللغتين العربية والفرنسية حاولت أن ترصد أشكال العلاقة بين القصص الأدبي والسينما.

نظريات وأفكار
اعتبر د. هشام جعيط أن العلاقة بين السينما والأدب قد أغنت الثقافة الكونية بكم كبير من الإنجازات والأعمال المتميزة، وبتراث ثري من النظريات والأفكار التي ساهمت في تحديد خصائص كل منهما، بينما أكد علي اللواتي أن العلاقة بين الأدب والسينما قديمة ومعقدة ويحكمها التقارب حينا والتنافر حينا آخر ويتعاقب فيها النجاح والفشل، وقد أخذت تلك العلاقة أشكالا مختلفة بين التأثير والتأثر والتفاعل فتبادل الخبرات والتجارب.

اعتبر هشام جعيط أن العلاقة بين السينما والأدب قد أغنت الثقافة الكونية بكم كبير من الإنجازات والأعمال المتميزة، وبتراث ثري من النظريات والأفكار التي ساهمت في تحديد خصائص كل منهما

وأخذ اللواتي مثلا البحوث في مجال تقنيات السرد الأدبي المبشرة بالسينما التي أشاد بها أيزنشتاين ونظريات ما يسمى "السينماتيزم"، كما هو الحال مع انجذاب المخرج السينمائي كلود شابرول إلى أعمال فلوبير الروائية مما دفعه إلى نقل رواية "مادام بوفاري" إلى الشاشة "على نحو مقنع يتميز بروح المعاصرة".

كما أشار اللواتي إلى تأثير السينما في الأدب، وخاصة في الرواية الفرنسية الجديدة، فروائيون من أمثال كلود سيمون وناتالي ساروت وألن روب غربيي ومارغريت دوراس "لم يكونوا منبهرين بعناصر الإضمار والاختصار والتكثيف المميزة للمعالجة السينمائية قدر انبهارهم بحس مغاير بالحيز وبمخزون الغموض وتعدد الدلالات للصورة السينمائية، مما يتفق مع مفهومهم لواقعية جديدة تعارض الرواية البلزاكية وتنتقد مفهومها للبطل".

تحولات الصورة
قدم الباحث العربي أحمد ثامر جهاد دراسة عن تحولات الصورة من الفضاء الروائي إلى الأداء الفيلمي، وبسط فيها في البداية آراء مختلفة ومتضاربة للنقاد والسينمائيين عن الأدب والسينما، فبعضهم يرى أن لا علاقة للأدب بالعملية السينمائية كما هو الحال مع المخرج السويدي "انغمار برغمان" الذي صرح بأن "الفيلم لا علاقة له بالأدب فطبيعة الاثنين ومادتهما مختلفتان"، ويعاضده في ذلك الروائي نورمان ميلر، بينما يرى البعض الآخر وأهمهم فلليني وأيزنشتان وغراهام غرين أن السينما أقرب الفنون إلى الأدب "لاشتراكهما في عنصر جوهري هو القصة".

وتحدث جهاد عن طرائق التفاعل بين الرواية والسينما وتعمق في فيلم المخرج رودريغو غارسيا ابن الروائي الكولمبي غابريل غارسيا ماركيز "تسع حيوات"، والذي اعتمد فيه طرائق السرد الأدبي لمجموعة قصص قصيرة "تنتظم في سياق فني" غير الذي تعودنا عليه في السينما التقليدية، فالرابط بين القصص ليس الحبكة القصصية ووحدة الشخصيات وإنما الفكرة التي تجعلنا ننتظر القصة الثانية للشخصية الموالية لتتعمق أكثر.

ولئن كانت القصة هي العصب الأساسي للأدب القصصي كما للسينما، فإن العثور على الخيط الرابط لكل ذلك -كما يقول ماركيز- هو "التحدي الأشد صعوبة".

وهذا الرأي هو ما واصل تفكيكه علميا المغربي نور الدين محقق في دراسة مطولة بعنوان "سيميائية الكتابة السردية بين الأدب الروائي والفن السينمائي"، فتوقف عند خصائص السرد و"الإيقاع الروائي والتبئير الوصفي" و"الإيقاع السينمائي وحركة الكاميرا" و"الشخصيات السينمائية وبنية التأطير" و"الصورة وخصوصية الفضاء في السينما"، وخلص إلى أن التفاعل بين الفنين يبقى قائما، وأن المصطلحات والتقنينات أصبحت تنتقل بين الفنين بمرونة كبيرة مع محافظة كل فن على خصوصيته.

وضمن مبحث التأثر الأدبي بالخطاب السينمائي، قدم الجزائري إسماعيل سليماني دراسة مهمة بالفرنسية عن الخطاب السينمائي في روايات رشيد بوجدرة تناولت أثر السينما في الكتابة الروائية عند صاحب رواية "الحلزون العنيد".

الاقتباس للسينما
من أهم المواضيع التي تطرق لها الكتاب عبر الباحثين الدوليين موضوع الاقتباس من الأدب إلى السينما وأشكاله ونجاحاته ومعوقاته.

وضمن هذا المبحث قدم الباحث الإيرلندي بول كانت دراسة بعنوان "من الكلمات إلى الصورة: الوفاء، الخيانة، الخلق"، وتناول فيها بالدراسة روايات إنجليزية وقع تحويلها بنجاح إلى أفلام.

تناول الناقد التونسي كمال بن وناس علامة من علامات النجاح في الاقتباس من خلال الثنائي فيسكونتي وبروست، وتحدث عن الرهانات التي وضعها فيسكونتي لترجمة رواية "بحثا عن الزمن الضائع" إلى السينما والمشاكل التي تعرض لها

بينما تناول الناقد السينمائي التونسي كمال بن وناس علامة من علامات النجاح في الاقتباس من خلال الثنائي فيسكونتي وبروست، وتحدث عن الرهانات التي وضعها فيسكونتي لترجمة رواية "بحثا عن الزمن الضائع" إلى السينما والمشاكل التي تعرض لها، رغم أنه لا يعتقد في وجود سينما خارج النص الأدبي أو الكتابة بشكل عام.

المخرج التونسي فريد بوغدير -من جهته- توقف في ورقته عند تجربته الخاصة في الاقتباس التي خاضها منذ سبعينيات القرن الماضي، وتتمثل في نقل قصة "نزهة رائقة" لأبي القصة التونسية الأديب علي الدوعاجي إلى السينما.

وعرض بوغدير المرحلة الجنينية للمشروع وظروف نشأته من اختيار الممثلين إلى الموسيقى والحوار إلى لحظات "خيانة النص" الضرورية كحاجة سينمائية.

بينما تحدث الروائي التونسي محمد علي اليوسفي في شهادته "والسينمائي.. هل يقرأ الرواية؟" عن أزمة العلاقة بين المخرج التونسي والروائي التونسي، وأشار إلى جهل المخرجين التونسيين بالرواية التونسية. فالمخرج التونسي لا يقرأ إما بسبب الموقف وإما بسبب العجز اللغوي، فـ"معظم المخرجين لا يجيدون العربية أو لا يريدون القراءة بها".

كما شمل الكتاب دراسات أخرى مهمة للمخرج والناقد "فتحي الدغري" عن الكاتب السينمائي، وللباحثة "كارمن بينيا أرديد" عن الاقتباس من المدونة الروائية و"ألن صباح" عن الصوت الروائي المخفي في السينما، إلى جانب دراسات علمية مختصة ودقيقة نمثل لها بما قدمته "ماريام عزيزي" في دراستها "التحليل السيميائي للنص في الفيلم"، والتي خصت بها الزمن "البروستي"، وغيرها من الدراسات التي تجعل من الكتاب وثيقة مهمة وإن كان معظم الكتاب باللغة الفرنسية، وهو ما يحتاج نقلا إلى العربية ليغني المكتبة النقدية السينمائية بما هي في حاجة إليه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة