ما مذاق البول؟   
الأحد 1435/1/22 هـ - الموافق 24/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 12:58 (مكة المكرمة)، 9:58 (غرينتش)
هذه ليست زجاجات من الزيت، بل عينات من البول (أسوشيتد برس)

د. أسامة أبو الرب

ليس هذا السؤال دعوة لتذوق البول ومحاولة "استطعام" ما يحتويه من مواد، ولكنه تساؤل طرحه الأطباء منذ زمن بعيد لدرجة أن البعض يعتقد أن الطبيب في وقت ما في سالف الزمن كان يتذوق بول مريضه لمحاولة اكتشاف ما به من أمراض.

ولا يوجد دليل قاطع يؤكد هذا الزعم، إلا أنه تتوافر بعض الأدلة التي تدعمه. فمرض السكري الذي وصفه الأطباء منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام اسمه "diabetes mellitus"، وإذا تتبعنا أصول هذا الاسم في اللغة اللاتينية لوجدنا أنه يعني "البول الحلو" أو البول الذي "بطعم العسل".

وقد لاحظ الأطباء وقتها أن الأشخاص الذين كانوا يراجعونهم مشتكين من المرض وأعراضه كالعطش الشديد، كانوا أيضا يقولون إنهم يلاحظون أن النمل يتجمع على بقايا بولهم، وهو أمر قد يكون دفع أحد الأطباء إلى تذوق البول الذي يجذب النمل وقاده إلى هذه التسمية.

والبول سائل تنتجه الكلى في عملية تصفية الدم من السموم والفضلات، إضافة إلى إفراز الفائض من الماء الذي يعمل أيضا كوسط مذيب لهذه الفضلات. وهو يحتوي أيضا على اليوريا والعديد من الأملاح.

العلم الحديث وفر الآلات التي "تتذوق" البول لتحليل مكوناته (غيتي)

وسيلة تشخيص
وإلى جانب وظيفته في حمل الفضلات والسموم الذائبة إلى خارج الجسم، يضطلع البول بأمر آخر مهم، فهو وسيلة تشخيصية لفحص الشخص والكشف عن العديد من الأمراض، وهو مؤشر على طبيعة نمط غذائه أيضا.

فمثلا يدل لون البول الغامق على أنه مركّز، وهذا قد يشير إلى معاناة الشخص من الحمى والجفاف، أو أنه لا يشرب كمية كافية من السوائل، مما قد يدل على ارتفاع مخاطر تعرضه لضربة شمس. أما البول البني الغامق فقد يشير إلى وجود مشاكل في الكبد، خاصة إذا ترافق مع اصفرار الجلد والعين.

أما اللون الأحمر في البول فقد يكون ناتجا عن تناول بعض العلاجات، مثل دواء ريفامبين الذي يستخدم لعلاج السل. كما أن التسمم بالزئبق والرصاص قد يقود إلى ذلك، لكن البول الزهري اللون يشير فقط وبكل بساطة إلى أنك تحب سلطة الشمندر ربما أكثر من اللازم.

ورائحة البول عادة ما تكون معدومة أو خفيفة، أما رائحته القوية فقد تشير إلى كونه مركّزا نتيجة الجفاف أو نقص شرب الماء، كما قد تدل على الإصابة بالعديد من الأمراض مثل التهاب المثانة والسكري وفشل الكلى الحاد مثلا.

وفي حال حدوث تغير في رائحة أو لون بولك يجدر بك مراجعة الطبيب لإجراء الفحوصات اللازمة، لكنها في عصرنا الحالي لن تكون "بتذوق البول"، فالعلم الحديث وفر آلات تحلل مكوناته وتفصل أدق أجزائه وتكشف أعمق خفاياه، فوفّر بذلك الكثير من الجهد على المريض والطبيب أيضا.

عينة بول مجمدة (رويترز)

سائل معقم
وما لا يعرفه الكثيرون أن بول الشخص السليم وقت خروجه من الكلى إلى الحالب يكون سائلا معقما، أي أنه خالٍ من البكتيريا والجراثيم، فالمجرى البولي عند الشخص السليم معقم. ولكن بعد هبوط البول إلى مجرى البول الذي يفتح على الجلد الخارجي فإنه قد يتلوث ببعض البكتيريا الموجودة هناك.

ولذلك قد يكون من الطريف معرفة أن البول لدى الإنسان السليم قد يكون بالتالي خاليا من الجراثيم أكثر من مياه الشرب التي قد تحتوي على البكتيريا، وهذا قد يطرح تساؤلا مشروعا، وهو إذا وضعنا موضوع اللون والرائحة و"الأحكام المسبقة" جانبا، فهل البول سائل صالح للشرب؟

باستثناء حالة الشخص المحاصر دون أي مصدر للماء ومهدد بالموت في أي لحظة، قد لا يكون شرب بولك فكرة جيدة، إذ ليس من المنطقي أن تعيد إدخال جميع السموم والفضلات التي تخلص منها جسمك إليه مرة أخرى، خاصة أن البول بمحتواه المرتفع من الأملاح سيحفز آلية العطش بعد شربه، مما سيدفعك لطلب المزيد وكأنك تشرب ماء البحر.

وماء البحر والمحيطات وكل ما على الأرض يتضاءل أمام الدور الذي يلعبه البول في أجسامنا للحفاظ على صحتنا، فاضطراب آليته يؤدي إلى المرض وربما الموت. ولعل هذا يفسر قصة الملك الذي عندما سئل ماذا يعطي إذا حُبس خروج "بوله" من جسمه، فأجاب بلا تردد: ملكي كله.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة