عصر جديد من إبداع الرعاية الصحية   
الثلاثاء 1437/4/2 هـ - الموافق 12/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:27 (مكة المكرمة)، 11:27 (غرينتش)

جوزيف جيمينيز*

نشهد موجة جديدة من الإبداع في مجال الرعاية الصحية، تَعِد بخلق الأنظمة الصحية الأكثر ذكاءً واتصالاً وكفاءة التي يشهدها العالم على الإطلاق. فالآن تعمل التقنيات والعلاجات الجديدة المغيرة لقواعد اللعبة على تحويل ممارسة الطب، وتغيير تجربة المريض بشكل كبير، وخلق الظروف الملائمة للمزيد من الاختراقات الجديدة.

وبوسعنا أن نرى الدليل في البيانات، ففي العام الماضي طُرِح 61 عقاراً جديداً في مختلف أنحاء العالم، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بمتوسط سنوي بلغ 34 عقاراً في العقود المنصرمة. وكان أكثر من 40% من هذه العلاجات لحالات نادرة يصعب علاجها، بما في ذلك الالتهاب الكبدي "سي"، والمكورات السحائية "بي"، وسرطان الجلد النقيلي (الذي ينتقل إلى أجزاء أخرى في الجسم).

ويلوح في الأفق المزيد من الاختراقات الجديدة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من العقاقير والأدوية قيد التطوير في مختلف قطاعات الصناعة، تُعَد علاجات يُحتمل أن تكون "الأولى في فئتها"، وهذا يعني أنها تستخدم آليات جديدة تماماً لمكافحة المرض.

وبوسعنا أن نعزو هذه الموجة الجديدة من الإبداع إلى ثلاثة عوامل رئيسية: القدرة على جعل العلاج شخصيا، والقدرة على طرح العلاجات في السوق بسرعة أكبر، وتحسين التواصل مع المرضى.

فأولا، يعمل التقدم الذي طرأ على معرفتنا بالجينوم -وخاصة الطريقة التي تتجلى بها الأمراض وتتطور في الجسم على المستوى الجيني- على تحسين قدرتنا على استهداف المرض في كل مراحله وتحسين تجربة المريض.

العام الماضي شهد طرح 61 عقاراً جديداً في مختلف أنحاء العالم، وهو رقم غير مسبوق مقارنة بمتوسط سنوي بلغ 34 عقاراً في العقود المنصرمة

علامات جينية
فالعلامات الجينية مثلا، يمكن أن تشير إلى أي المرضى يحتمل أن يستفيد من الدواء، وهذا يعني بالتالي تحسين النتائج والسماح للمرضى في الوقت نفسه بتجنب الآثار الجانبية المؤلمة للعلاجات التي يُرجح أن تنجح.

فبين مرضى سرطان الثدي في مراحله المبكرة، تُظهر العلامات الوراثية مدى احتمال أن يكون العلاج الكيميائي مؤثرا، أو ما إن كان العلاج الهرموني وحده هو الخيار الأفضل. ولا ينجح أحد أدوية سرطان الرئة الجديدة والذي طورته شركتي "نوفارتيس" إلا مع المرضى الذين يعانون من سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة والذين لديهم طفرة جينية معينة.

ولا يزال استخدام الخبرات الجينومية في تحسين الرعاية الصحية في بداياته، ويتمثل أحد مجالات التحقيق الواعدة في الأداة "كريسبر"، وهي أداة متطورة يمكن أن تسمح لنا بحذف أو إصلاح أو استبدال الجينات التي تسبب المرض. ومع تزايد دقة فهمنا لخصائص مرض يعاني منه مريض بعينه، يصبح العلاج متزايد الفعالية ونتمكن من الحد من مخاطر الآثار الجانبية.

وعلاوة على ذلك، يعمل التقدم في فهمنا للمرض على تعزيز كفاءة عملية تطوير الأدوية، فيجعل من الممكن جلب إبداعات جديدة إلى السوق بشكل أسرع. فمثلا، يستخدم الفحص الجيني لاختيار المشاركين مسبقاً للتجارب السريرية، وهذا من شأنه أن يختصر زمن الاختيار. وبالاستعانة بهذا النهج، يصبح ممكنا بدء البحث في مدة قد لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، مقارنة بنحو 34 أسبوعاً في المتوسط للتجارب المعتادة.

أضف إلى هذا قدرتنا على تحليل البيانات بسرعة أكبر، واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن الجرعات، كما يتقلص زمن التجارب السريرية إلى حد كبير.

وأخيرا، يمكن أن تعمل البيانات المحدثة لحظة بلحظة والأدوات التقنية الناشئة على تحسين عملية إشراك المريض ومدى التزامه، خاصة بين أولئك الذين يعانون من حالات مزمنة ناجمة عن أمراض غير معدية.

يُتوقع أن ترتفع معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية لكي تصبح مسؤولة عن 52 مليون حالة وفاة سنوياً بحلول العام 2030

شيخوخة
وفي ظل الشيخوخة السكانية على مستوى العالم، يُتوقع أن ترتفع معدلات الإصابة بالأمراض غير المعدية لكي تصبح مسؤولة عن 52 مليون حالة وفاة سنوياً بحلول العام 2030. والواقع أن أكثر من 80% من الوفيات الناجمة عن أمراض غير معدية ترجع إلى حالات مزمنة مثل: أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي، والسرطان، والسكري.

في وضعنا الحال، تمثل حالات عدم الالتزام بأنظمة الدواء مشكلة كبرى في معالجة الأمراض غير المعدية، فمثلا، سنجد أن الأقل التزاما من مرضى السكري في الولايات المتحدة يتعرضون لخطر سنوي بنحو 30% للدخول إلى المستشفى، مقارنة بنسبة 13% بين المرضى من ذوي المستويات العالمية من الالتزام.

وهذا يعني ضمناً تكاليف ضخمة تتحملها أنظمة الرعاية الصحية تقدر بنحو 200 مليار دولار في الولايات المتحدة و125 مليار يورو (133 مليار دولار) في الاتحاد الأوروبي كل عام. ويمكن أن تعمل التقنيات التي تشرك المرضى في رعاية أنفسهم صحياً وتمكّن المزيد من الالتزام السلس بالأنظمة الدوائية، على تحسين إدارة الأمراض، والحد من الحالات التي تضطر إلى دخول المستشفى، فضلاً عن خفض التكاليف.

والواقع أن التقدم التحويلي في الرعاية الصحية يدين بالكثير للمعلومات الجينومية الجديدة، وإتاحة البيانات الضخمة للتأثير على القرارات بشكل مباشر لحظة بلحظة، والتوصل إلى علاجات أفضل توجيهاً وفردانية، فضلاً عن أنظمة التسليم الأكثر اتصالا.

ولكن هذا ليس سوى البداية، وبوسعنا أن نتوقع المزيد من الاختراقات التي تصبح ممكنة بفضل التقارب بين العلم والتقنية، خاصة مع دخول لاعبين غير تقليديين إلى قطاع الرعاية الصحية. وفي هذه العملية، تصبح الشراكات بين شركات الرعاية الصحية والتقنية متزايدة الأهمية.

إنها لحظة مثيرة في عالم الرعاية الصحية، حيث يلوح في الأفق عدد كبير من الإبداعات المعطلة للأنظمة القديمة، وهي أنباء طيبة بالنسبة للمرضى ومقدمي الرعاية الصحية على حد سواء.
_______________
* الرئيس التنفيذي لشركة "نوفارتيس" للأدوية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة