مخرجة يهودية بكاميرا مناهضة للصهيونية   
الخميس 1433/4/7 هـ - الموافق 1/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:09 (مكة المكرمة)، 11:09 (غرينتش)
كاثي وازانا رفعت لواء مناهضة الصهيونية في مجتمع كندي يعرف بسيطرة الإعلام الصهيوني (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
في الوقت الذي اعتادت فيه إسرائيل استقبال المواقف العربية المنددة والفاضحة لأساطير السياسة الإسرائيلية، وقد لا تجد صعوبة في محاصرتها بحجة أنها تعبر عن عداء طبيعي ثابت من لدن خصوم الدولة العبرية، فإن هذه الأخيرة تجد حرجا كبيرا إزاء الأصوات المنبثقة من داخل المجمع اليهودي، لنخبة مثقفة ترفض ممارسات إسرائيل وأيديولوجيتها الصهيونية.

ولئن برزت هذه المقاربات اليهودية المناهضة لإسرائيل في المجال التاريخي أساسا من خلال طبقة "المؤرخين الجدد" فإنها انتقلت لقطاعات فكرية وفنية أخرى، لعل السينما واحدة منها، من خلال النموذج اللافت الذي تجسده المخرجة الكندية كاثي وازانا، اليهودية ذات الأصل المغربي.

ففي مجتمع شمال أميركي يعرف اكتساحا كبيرا لنخبة يهودية داعمة لإسرائيل، تعد كاثي وازانا واحدة من أسماء معزولة ترفع لواء مناهضة السياسة الإسرائيلية، من خلال أفلامها الوثائقية والتزامها السياسي. ولذلك فهي تدفع غاليا ثمن هذا الموقف، إذ أنه ليس من السهل التعبير عن مواقف من هذا القبيل في ظل هيمنة المؤسسات المؤيدة لإسرائيل، علما بأنها تناضل من أجل حرية الشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة.

تعود وازانا في فيلم " الأندلس الجديدة" إلى أماكن ذاكرتها بالمغرب لتستنطق الجغرافيا المهجورة التي استقبلت يهود البلاد، في البوادي والمدن، قبل أن تهجرهم الدعاية الصهيونية وحملات الوكالة اليهودية

الذاكرة المقاومة
ويتمثل الثمن المباشر لهذا الالتزام السياسي والأدبي في الصعوبات الجمة التي تقابلها المخرجة في سبيل حصولها على تمويل مشاريعها السينمائية، وخصوصا عملها الأخير "الأندلس الجديدة" الذي عرضته في يناير/ كانون الثاني الماضي ببلدها الأصلي المغرب، ضمن فعاليات المهرجان القومي للسينما.

وكانت وازانا، التي تنحدر من مدينة الصويرة (الساحل الغربي للمغرب) ونشأت بالدار البيضاء، قد هاجرت رفقة أسرتها إلى كندا، ضمن موجات الهجرة اليهودية بالنصف الثاني من القرن العشرين، من الدول العربية إلى إسرائيل والبلدان الغربية، وخصوصا أوروبا وأميركا الشمالية.

وبدا أن واقعة الهجرات اليهودية من العالم العربي والعلاقات بين المواطنين العرب واليهود تحتل حيزا هاما من الانشغالات الفكرية لهذه المخرجة التي قاربت الموضوع بجرأة فريدة في عملها المشار إليه "الأندلس الجديدة" الذي يفند الدعاية الصهيونية التي تفيد بأن يهود العالم العربي هاجروا إلى إسرائيل فرارا من الاضطهاد والقمع الديني والعرقي.

في هذا الفيلم الوثائقي، تعود وازانا إلى أماكن ذاكرتها بالمغرب لتستنطق الجغرافيا المهجورة التي استقبلت يهود البلاد، في البوادي والمدن، قبل أن تهجرهم الدعاية الصهيونية وحملات الوكالة اليهودية. تقف على أطلال هذا الوجود من خلال المقابر والبيع وحكايات الجيران المسلمين الذين يذكر بعضهم لحظات الرحيل المأساوية نحو إسرائيل.

وبعد أن تقف وازانا على ذاكرة أجدادها في بلد عربي عاش خلاله مواطنوه المسلمون واليهود حياة الجوار والتعايش الثقافي، التي عبرت عنها بصورة يحتفظ بها عجوز مغربي لجوق موسيقي في ثلاثينيات القرن الماضي يتكون من مسلمين ويهود، تنقل المخرجة عدستها إلى داخل إسرائيل، في لقاء مع يهود عرب إسرائيليين من أصل مغربي.

نبهت وازانا في رسالة رفقة العديد من المثقفين والسينمائيين، ومنهم يهود، إلى أن الاحتفاء بتل أبيب، كمدينة "دينامية ومتنوعة" يغفل حقيقة أنها بنيت على أنقاض قرى فلسطينية مدمرة وساكنة مهجرة تعيش في المخيمات

زيف الدعاية
تكشف وازانا، على لسان هذه الشريحة من مواطني الكيان العبري، كذب الدعاية الصهيونية، التي استقطبت ملايين اليهود عبر العالم لاستيطان أرض الفلسطينيين ومحاولة السياسة الرسمية طمس هوياتهم الأصلية التي تعكس تعايشا حقيقيا كانت الدول العربية مسرحا له بين مواطنيها العرب واليهود، وهو ما يناقض جوهر الأطروحة الصهيونية القائمة على شيطنة الآخر.

تنخرط المخرجة في تجربة مثيرة حين تصطحب مواطنة إسرائيلية من أصل مغربي في زيارة لبلدها الأصلي، حيث تقف على شواهد أسرتها وتلتقي جيرانا لجديها. إنها شيرا التي تقر بأنها تحمل داخلها العنصر الذي تعتبره إسرائيل عدوا لها، في إشارة إلى هويتها العربية التي تواجه نظاما اجتماعيا وثقافيا يسيطر عليه الأشكيناز (يهود أوروبا والغرب).

ويزكي فيلم "الأندلس الجديدة" إجمالا خطا فنيا ملتزما تسير عليه المخرجة التي برز اسمها في سبتمبر/ أيلول 2009، حينما شاركت في حملة توقيع على رسالة لمهرجان تورونتو الدولي بكندا، تندد باحتفائه بتل أبيب ضمن برنامج "مدينة لمدينة" وتعتبر أن المبادرة تواطؤ مع الآلة الدعائية للدولة الإسرائيلية الهادفة إلى تحويل الأنظار عن الحروب العدوانية التي تشنها إسرائيل واضطهادها للشعب الفلسطيني.

ونبهت الرسالة التي وقعتها وازانا رفقة العديد من المثقفين والسينمائيين، ومنهم يهود، إلى أن الاحتفاء بتل أبيب، كمدينة "دينامية ومتنوعة" يغفل حقيقة أنها بنيت على أنقاض قرى فلسطينية مدمرة وساكنة مهجرة تعيش في المخيمات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة