معرض "للخيميائي" فيكتور برونر بباريس   
الأحد 1433/1/9 هـ - الموافق 4/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:31 (مكة المكرمة)، 14:31 (غرينتش)

لوحة "مؤامرة" لفيكتور برونر

 أنطوان جوكي-باريس

يتابع القيّمون على معرض مالانغ الباريسي العريق استكشافهم لعالم السرياليين الحالم فيقترحون علينا اليوم، بعد معارض إيف تانغي وماكس أرنست وألبرتو ماتا، معرضاً مهماً للفنان الروماني الأصل فيكتور برونر (١٩٠٣-١٩٦٦) يهدف عبر ثلاثين لوحة رئيسية له إلى كشف عبقرية هذا العملاق وطبيعة إنجازاته الفنية بعيدا عن أي هاجسٍ إرشادي.

وإلى حد اليوم ما زال النقّاد يعتبرون برونر الفنان الأكثر غرابة في القرن العشرين نظراً لصعوبة ولوج عالمه الخيالي والرمزي. وهذا ما يفسّر شهرته المحدودة مقارنةً بشهرة رفاقه السرياليين. لكن الحقيقة التي أقرّ بها أبرز وجوه عصره هي أن مخيلته الجامحة وذهنه المشبّع بالعلوم الباطنية وذكاءه الحاد سمحوا له بتحويل مرسمه إلى "مصهر خيميائي للفن الحديث".

لوحة "احتفال"

أندريه بروتون الذي كان أول المعجبين بعمله كتب عام ١٩٣٩ أن "لوحاته تضارع بجمالها لوحات غوستاف دوري وتعبّر إلى أقصى حد عن الخارق والعجيب في عصرنا".

وفي رسالةٍ أرسلها له من نيويورك عام ١٩٤١ كتب أيضاً "عزيزي فيكتور، البارحة شاهد مارسيل دوشان صوراً للوحاتك في منزلي. وكان رأيه، مثل رأيي، أن ما تُنجزه في عملك هو المهم بين كل ما يُنتَج حالياً على المستوى التشكيلي في باريس".

بدوره أرسل رينيه شار بطاقة بريدية إلى برونر عام ١٩٤٦ كتب عليها "أشعر بمتعة وضرورة أن أكتب لك هذا الصباح، كما نفتح الستار لضوء النهار، بأنك الأكبر رؤية وبصيرة بيننا".

وعلى أثر مشاهدته معرض الفنان عام ١٩٤٩ في باريس، أرسل الكاتب والناقد الكبير جان بولان رسالة لبرونر قال فيها "لقد خرجتُ من معرضك مبلبلاً كلياً. كلا، لم أكن أنتظر هذا القدر من المفاجآت المعلّلة بجميع حذافيرها".

لائحة الذين تغنّوا بموهبة برونر طويلة جداً. ومع ذلك ما زال الإمساك بفنّه عسيراً لتطلّبه جهدا تفسيريا كبيرا وارتكازه على أنظمة دلالية معقّدة للغاية. ولا يُسهّل موقفه الاستكشافي من الأشكال وسعيه إلى صهرها بدلاً من مجرّد صقلها عملية فهمه، بل يتحكّمان بأسلوب نادر الجرأة يرتقي بلوحاته فوق المألوف ويحوّلها إلى كمٍّ من الفتوحات الذهنية داخل عالمنا المادي.

لوحة "صورة عما يتعذّر معرفته"

وإذا كان الإنسان حاضرا بوضوح في لوحاته المعروضة حالياً، فإن واقعه الجسدي يبدو في حالة أجزاءٍ مفككة يقوم الفنان بجمعها وفقاً لتركيبات مختلفة إلى ما لا نهاية، كما لو أنه ينطلق من السديم الأوّلي لتشكيل كائنات جديدة ضمن فن يحثّه دوما على ابتكار أحداث مبنية على الصدفة والاستثناء لتعزيز وحدة هذه الكائنات أو للإشارة إلى استحالة تناغمها الكلّي. أما أفعال هذه الكائنات وحركيتها النموذجية فتعكس استعاراتٍ قوية إلى حد تفلت بواسطتها من أي تكلف أو تصنع.

باختصار، لوحات برونر هي دراسات لأشياء بعد إعادة ابتكار تاريخ الطبيعة لخدمة الحالمين. من هنا تلك الحيوانات المعروفة لكن المحوَّلة بشكلٍ مثالي، والأخرى المجهولة كما لو أنها آتية من خارج نطاق الذاكرة، والنباتات الغريبة والأشياء اليومية المعفية من وظيفتها والحاضرة كعناصر حلمٍ أو كابوس.

ولأن العمل الفني ليس غرضاً جامداً بل حضور متفجّر كصرخة، تشكّل هذه اللوحات أيضاً شهادات بصرية على الصراع الذي خاضه صاحبها لإنقاذ أصالة فكره ونقاوة أهوائه وعواطفه.

وفعلاً وضع برونر -الساعي أبداً خلف الجانب المجهول من الجمال- كل جهده الفني لابتكار مواضيع توضّح بطريقة شعرية مغامرات الكائن البشري، وسعى بواسطة فن الرسم إلى بلوغ "الجانب الآخر لكل شيء".

لوحة "شاعر في المنفى"

لكن، في أي من لوحاته، لم يضحِ بهاجس خلق أشكال جديدة لصالح المضمون، بل انغمس كلياً في اختبارات تقنية غير معهودة لتعزيز قيمة عمله البصرية، كطلي سطح لوحاته بمادة الشمع والرسم عليها بواسطة الحفر.

وفي الوقت ذاته لا يأتي هذا التطلّب الشكلي إطلاقاً على حساب عرض أفكاره. إذ مارس برونر فن الرسم كنشاط كهنوتي ارتقى بوظائفه إلى حدود التجلّي. ولهذا لا بد من انفتاح كلّي على لوحاته لتذوّق أشكالها وإدراك أبعادها، وبالتالي دلالاتها الكثيرة.

فهذه اللوحات هي أولاً سيرة ذاتية لعرضها مباشرة وقائع حياة برونر نفسه وسلوكه، ولظهوره فيها عارياً ومختلفاً، كما في مراحل حياته، لكن بطريقةٍ مستبعَدة وخيالية إلى درجةٍ تبلبل ما يحاول الإسرار به. بعبارةٍ أخرى، يشيّد صوراً مثالية للذات، على شكل بطلٍ مضحِك أو رهيب، بهدف إسقاطها كرادعٍ بين شخصيته الحقيقية وأذى العالم.

لكن لوحات برونر تتحلّى أيضاً ببُعدٍ جدلي لتوقها إلى توليف الأضداد أو التناقضات الكامنة فينا أو حولنا، وببُعدٍ أسطوري لتشييدها قصصا تروي قدر البشرية بطريقة رمزية، علاوةً على بُعدٍ علاجي يتجلى في سعي الفنان الثابت داخلها إلى كشف الأشياء الخفية للعقل الباطن أو الجانب المعتم للطبيعة، ومن خلال ذلك، إلى التخلّص مما كان ينكّد عيشه ويؤلمه.

فبخلاف بيكاسو الذي رسم دائما ما رآه لكن ضمن مواربات تأويلية غريبة، رسم برونر ما لا يُرى بتلك التفاصيل القادرة على جعله مرئياً ومألوفاً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة