الأعرج: الأدب لا يعطي حلولا والدكتاتور يكره نفسه   
السبت 1437/7/16 هـ - الموافق 23/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:39 (مكة المكرمة)، 12:39 (غرينتش)

في الحلقة الثالثة والعشرين من سلسلة حوارات "الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي"، يقول الروائي الجزائري واسيني الأعرج إنه لا يتصور أن "الأدب سيعطي حلولا، هو فقط يتحسس الأشياء وقد فعل قبل الثورات".

ويمضي الأعرج في تحليل العلاقة بين الأدب وموجات الربيع العربي إلى الإقرار بأن "الروائي العربي سلط الأضواء على هذا المحتمل القادم والذي يتكون شيئا فشيئا في المجتمعات العربية، فالرواية العربية قرأت التاريخ بشكل أعمق".

ويوضح الأعرج أن المتن الروائي العربي فكك الوضع المجتمعي، وخاصة شخصية الدكتاتور العربي الذي يشبه في نظره قليلا الدكتاتور في أميركا اللاتينية، "مع فارق مهم أن الدكتاتور في أميركا اللاتينية محبوب لأنه دكتاتور عاطفي ويمارس دور الأب القاسي، لكن الدكتاتور العربي مكروه من شعبه وأحيانا يكره نفسه". وفي ما يأتي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

طبعا، كنت على يقين أن شيئا من هذا سيحدث، ولا يحتاج الأمر عبقرية لأن الوضع الذي كانت تعيشه الدول العربية يؤدي حتما نحو هذا التفكير والاحتمال. ففي ظل دكتاتوريات قاهرة ووضع معاشي سيئ وظلم اجتماعي كبير وفوارق طبقية كبيرة تعمقت في الخمسين سنة الأخيرة، وفي ظل غياب أي أفق آخر محتمل للتصحيح والتنوير والتغيير؛ كانت الانتفاضات هي الأفق الوحيد.

إلى أي حد تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا في ذلك الربيع؟

من يتابع ويقرأ -خصوصا الرواية، لأن الرواية هي العالم الأمثل الموازي مع الحياة عن طريق التخييل واللغة- يكتشف ذلك، فمن يقرأ "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف مثلا أو "مدارات الشرق" لنبيل سليمان والكثير من الأعمال الروائية، سيجد أن الروائي العربي سلط الأضواء على هذا المحتمل القادم والذي يتكون شيئا فشيئا في المجتمعات العربية، فالرواية العربية قرأت التاريخ بشكل أعمق.

الثورة العربية اغتصبت محليا ومن طرف القوى التي لا تريد للشعوب العربية أن تخرج من التخلف، وحولت إلى حروب أهلية دون أفق، لأن ما نراه من تدمير تام وممنهج للبنية التحتية لهذه البلدان التي اندلعت فيها الثورات، لا يمكن أن أفهمه على أنه ثورة

لقد تصدت الرواية لهذا بشكل واضح من خلال تشريح الوضع المجتمعي وخاصة شخصية الدكتاتور الذي ظهر في عديد الأعمال، وهو دكتاتور يشبه قليلا الدكتاتور في أميركا اللاتينية مع فارق مهم أن الدكتاتور في أميركا اللاتينية محبوب لأنه دكتاتور عاطفي ويمارس دور الأب القاسي، لكن الدكتاتور العربي مكروه من شعبه وأحيانا يكره نفسه.

كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

المثقف العربي ليس واحدا، فالعديد من المثقفين العرب كانوا مع الثورات العربية وتفاعلوا معها بشكل رومانسي، فكانوا يحلمون مثلهم مثل الشعوب نفسها، وكانوا متفائلين أكثر من اللزوم أحيانا لأنهم لم يدخلوا في قراءاتهم العناصر الخفية التي يمكن أن تهدد هذه الثورات وهي الحركات الدينية المتطرفة الأكثر تنظيما.

كما تغافلوا عن تفكك اليسار العربي وضعفه بعد أن كان في الخمسينيات في سوريا والعراق ولبنان والمغرب العربي يمثل تنظيما محكما، وكان هو الذي يجر الحركات الاجتماعية.

في المقابل هناك تحليل عدمي يتحدث عن المؤامرة الخارجية والمقصود من هذه التحركات تدمير الوطن العربي، ولكن هناك  تيار في الوسط عقلاني أقل انفعالا وعاطفة، يأخذ الظواهر ويحللها ويرى أن وجود هذه الثورات هي حالة تعطش طبيعية عند الناس، وهذا حدث في كل مكان حتى في المكسيك. لكن يجب ألا نكون أغبياء لأننا في وضع عالمي أكثر تعقيدا، تلعب فيه المصالح الاقتصادية الدور الحاسم، فلا يمكن للغرب الاستعماري إلا أن يتدخل.

بعد نشوة الربيع العربي، هل بدت لكم في الأفق بوادر الانكسارات؟ وكيف تقرؤون مآل ذلك الربيع حاليا؟

بعد الثورة التونسية -التي كانت الضربة فيها فجائية- تغير الأمر، وأعتقد أن الغرب الاستعماري لم يكن مسلحا لها بدليل ما فعلته وزيرة الدفاع الفرنسية التي عرضت على الرئيس زين العابدين بن علي الأسلحة لمساعدته على قمع الانتفاضة، ولا يمكن لمثل هذا السلوك أن يأتي من جهة ترى المستقبل جيدا.

فالمسالة الفجائية كانت مع الثورة التونسية، ثم تغير الأمر لأن الغرب انتبه وعرف أن أي تغيير في المشهد السياسي العربي بهذه الطريقة سيعيد النظر في المنظومة الاقتصادية الموجودة والقائمة على شراكات ومصالح، والتي يستفيد منها هذا الغرب الاستعماري، ومن هنا بدأ يقرأ أن مصالحه مهددة من قبل هذه الانتفاضات.

ونفس الشيء مع إسرائيل التي أصبحت تخشى التغيير لأن هذه الدول ستصبح ذات سيادة فعلية، وستصبح خطرا عليها وستطرح القضية الفلسطينية بشكل مختلف من موقع القوة، لأن نظرة العالم ستتغير تجاه هؤلاء العرب الذين أسسوا دولا ديمقراطية، ويستطيعون أن يشكلوا قوة؛ فمنعت هذه القوة من أن تتطور، فحوّل الغرب هذه الثورات من ثورات شعبية إلى حالات عسكرية مثل الحالة الليبية والحالة السورية والحالة العراقية، بسبب قرب هذه التحركات من إسرائيل كما هو الحال مع سوريا، أو بسبب النفط مع ليبيا.

إلى أي مدى -متوسط أو بعيد- ترون أن أهداف الربيع العربي -حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية- ستتحقق على أرض الواقع؟

الثورة العربية اغتصبت محليا ومن طرف القوى التي لا تريد للشعوب العربية أن تخرج من التخلف، وحوّلت إلى حروب أهلية دون أفق، لأن ما نراه من تدمير تام وممنهج للبنية التحتية لهذه البلدان التي اندلعت فيها الثورات، لا يمكن أن أفهمه على أنه ثورة.

إنها دفع للعود بها إلى نظم قديمة كالنظم العرقية أو القبلية أو الطائفية. وهذا ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا، ولذلك نحن ذاهبون إلى تقسيمات جديدة أسوأ من تقسيمات سايكس بيكو التي كانت تقسيمات جغرافية، أما التقسيمات الحالية فهي تقسيمات على أساس عرقي وديني.

في الوضع الحالي وتجلياته الخطيرة ليس من أفق  للحرية ولا للعدالة الاجتماعية إلا ربما في الحالة التونسية التي بدورها تعيش في قلب الصراعات والتجاذبات الاستعمارية الأميركية الفرنسية والتطرف الديني. لا أفق أراه إلا مزيدا من التقسيمات.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟

لا أتصور أن الأدب سيعطي حلولا، هو فقط يتحسس الأشياء وقد فعل قبل الثورات، والوافد تحول واقعا. وهكذا بدأ الأدباء ينشئون أدبا سوداويا، ولكن كما يقول سرفانتس على لسان دون كيشوت "حتى إذا غاب الأمل علينا أن نعمل على إبداعه من جديد". ليس لنا من خيار آخر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة