لا تأثير للاستفتاء على مسلمي الجنوب   
الاثنين 1431/10/18 هـ - الموافق 27/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 15:00 (مكة المكرمة)، 12:00 (غرينتش)
أحمد محمد موسى نائب الأمين العام للمجلس الإسلامي لجنوب السودان (الجزيرة نت)

 محمد أعماري-جوبا
 
يؤكد أحمد محمد موسى -نائب الأمين العام للمجلس الإسلامي لجنوب السودان- للجزيرة نت أن نتيجة استفتاء تقرير المصير، الذي سينظم في يناير/كانون الثاني المقبل، لن تكون لها أي انعكاسات على وضع المسلمين في جنوب السودان.
 
وأضاف في مقابلة أجرتها معه الجزيرة نت في بيته بمدينة جوبا أن للمجلس برنامجا يسعى إلى ترشيد تدين المسلمين في الجنوب وتعليمهم أمور دينهم، إضافة إلى الدعوة إلى دين الإسلام وسط غير المسلمين.
 
نود في البداية أن تعطونا نظرة عامة عن المسلمين في جنوب السودان.
 
دخل الإسلام جنوب السودان -وخاصة منطقة بحر الغزال التي هي منطقة تماس- عن طريق بعض التجار الشماليين ومن ضمنهم الزبير ودرحمة الذي كان من كبار التجار في عصره وكان يعيش في منطقة راجا قرب بحر الغزال، وإلى اليوم هناك منطقة تسمى "ديم زبير" على اسمه الشخصي. ومنطقة بحر الغزال هي المنطقة التي يوجد فيها مسلمون بكثافة، ويوجدون أيضا في الولاية الاستوائية الوسطى، لكن ليس بنفس الكثافة.
 
هل هناك إحصاءات تحدد عدد المسلمين في جنوب السودان؟
 
لا ليس هناك أي إحصاءات رسمية حتى الآن، لكن لا شك أن عددهم كبير، لا يساوي عدد المسيحيين الموجودين في جنوب السودان، لكنه رقم كبير لا يستهان به.
 
أليست هناك حتى إحصاءات غير رسمية؟
 
لا نستطيع أن نتحدث كذلك عن إحصاءات غير رسمية، فنقول إن هناك مليون مسلم أو مليونين، لا نستطيع ذلك، لكن الذي نستطيع تأكيده هو أن عددهم كبير، ولهم وزن، فالمساجد في الولايات الجنوبية كلها تكون مليئة عن بكرة أبيها، وخاصة في صلوات الجمعة والأعياد،
 
فمثلا هنا في مدينة جوبا تقام صلاة العيدين في ثمانية أماكن وكل واحد منها لا يقل عدد المصلين فيه عن أربعة آلاف أو خمسة آلاف شخص، والأمر نفسه ينطبق على مدينة واو في ولاية غرب بحر الغزال وفي مدينة ملكال بولاية أعالي النيل.
 
ماذا عن علاقة المسلمين بغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى؟
 
في الحقيقة منذ أن فتحنا أعيننا في جنوب السودان وجدنا أن المسلمين والمسيحيين وغيرهم يتعايشون تعايشا أكثر من أخوي، وتجد في البيت الواحد أفرادا مسلمين وآخرين مسيحيين وآخرين وثنيين، وكل منهم يمارس معتقداته ويعيش أمور حياته بشكل عادي جدا.
 
لكن بعد الحرب الأخيرة التي اندلعت عام 1983، تغير الوضع قليلا وبدأت العلاقة تفتر بين مكونات المجتمع في جنوب السودان، لكن بحمد الله فطنت حكومة جنوب السودان لهذا الأمر، وبدأت تعمل على تحسين العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، وقطعت شوطا كبيرا جدا في ذلك، وبدأت العلاقات بين الطرفين ترجع إلى طبيعتها.
 
هل للمسلمين وزن سياسي في جنوب السودان؟
 
حتى نقول الحقيقة، إلى حد الآن ليس للمسلمين تأثير في القرار السياسي، وليس لنا إلى اليوم ولو ممثل واحد في حكومة جنوب السودان، لكن بصفتي عضوا في البرلمان من بين عشرة أعضاء مسلمين (من أصل 170 هم عدد أعضاء البرلمان) فأرى أننا نشكل مجموعة ضغط مؤثرة، وفي القريب العاجل نتمنى أن تلتفت حكومة جنوب السودان إلى هذه المسألة وتشرك المسلمين في وزاراتها.
 
هذا ما تودونه من الحكومة، لكن ماذا عن المسلمين أنفسهم، ألا يفكرون في تنظيم أنفسهم ليصبحوا قوة ضغط سياسي للحفاظ على مصالحهم؟
 
بكل صدق، تأثر وضع المسلمين في جنوب السودان كثيرا بالمستوى التعليمي الذي يتلقاه أبناؤهم، وهو ما يجعلهم على أرض الواقع عاجزين عن المنافسة على مناصب الشغل ومراكز القرار، لأنهم لم يسلكوا سبلا تعليمية تخولهم شهادات ودبلومات تؤهلهم لنيل هذه المناصب، وهذه المسألة أثرت على وضع المسلمين كثيرا، الحقيقة أن أبناء المسلمين لا يتلقون التعليم الملائم.
 
لماذا؟
 
جنوب السودان بصفة عامة عانى الكثير في فترة الحرب، والمسلمون جزء من هذا الجنوب، وكان الجنوبي بالكاد يفكر في قوت يومه، فكيف يفكر في الإنفاق على التعليم، والحمد لله أن الأوضاع الآن بدأت تتغير، لكننا نتمنى أن ننفتح على العالم الإسلامي وأن نحاول من خلال ذلك تمكين أبناء المسلمين من الدراسة في جامعات الدول الإسلامية ومدارسها العليا، وقد كان شيء من هذا قبل الحرب حيث كان طلابنا يدرسون في الأزهر الشريف وفي جامعات المملكة العربية السعودية.
 
هل هناك خطوات عملية يسعى المسلمون من خلالها إلى فرض وجودهم على المستوى السياسي؟
 
نعم، نحن مثلا أسسنا المجلس الإسلامي لجنوب السودان، وما هو مشجع وطيب هنا هو أن حكومة جنوب السودان تقدم لنا الدعم، وقد دعمت بعض مؤتمراتنا واجتماعاتنا، وهذا يدل أن لها حسن نية تجاه المسلمين وأنها تريد أن يكون لهم موطئ قدم في الساحة.
 
ما هي أهم المشاكل التي يعيشها المسلمون في جنوب السودان؟
 
 بأمانة مرة أخرى، المسلمون في جنوب السودان ضعفاء، وخصوصا في الجانب التعليمي وجانب الاقتصاد، ودعونا نقول إن المسلمين في جنوب السودان يحتاجون إلى تمكين من أجل أن يشكلوا قوة إضافية حقيقية لتطور الجنوب.

ماذا تقصدون بالحاجة إلى التمكين؟
 
ديننا الإسلامي يعلمنا أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، والقوة هنا ليست فقط قوة الجسم والعضلات، بل المقصود بها أيضا القوة المادية، فالاقتصاد في زمننا هذا أساس كل شيء وهو الذي يقود كل شيء، لقد أصبح الإنسان في هذا الزمن لا يساوي شيئا بدون مال، ومن بيده المال يكون بيده القرار.
 
وهكذا علينا أن نعمل من أجل أن نمكن مسلمي جنوب السودان من أن يصبح منهم تجار كبار، كما كان شأن الكثير منهم قبل أن يفقدوا ممتلكاتهم أيام الحرب وإلى اليوم لم يستطيعوا استرجاعها، إذا استطعنا أن نؤسس مشاريع اقتصادية قوية، نكون قد مكنا للمسلمين في جنوب السودان وسيصبحون قوة لها صوتها المسموع، والكل يعلم أن اليهود في الولايات المتحدة الأميركية قلة قليلة، لكنهم أصحاب مال ويشكلون مجموعة ضاغطة تؤثر في القرار السياسي الأميركي وتوجهه.
 
لنعد إلى المشاكل الأخرى التي يعاني منها المسلمون.
 
المشاكل الأخرى قد تكون ذاتية، فأغلب مسلمي جنوب السودان محتاجون إلى التفقه في أساسيات الدين، لهذا فمن إستراتيجيتنا في المجلس أن ننشط في هذا المجال وأن نبصر الناس بأمور دينهم، وبصيغة أخرى فإننا سنعمل على ترشيد تدينهم والرقي بمستواه.
 
ما هي الدواعي التي أسستم من أجلها المجلس الإسلامي لجنوب السودان؟
 
مسلمون يقرؤون القرآن في أحد مساجد مدينة جوبا (الجزيرة نت)
أسسنا هذا المجلس من أجل لم شمل المسلمين هنا حتى يكونوا قوة مؤثرة في الواقع، وكانت الحركة الشعبية لتحرير السودان خلال فترة الحرب كونت "المجلس الإسلامي للسودان الجديد" بقيادة الفريق الطاهر بيور، وبعدما جاءت اتفاقية السلام، وكان هناك مجلس آخر اسمه المجلس الإسلامي الأعلى لجنوب السودان يوازي المجلس الذي أسسته الحركة، إضافة إلى هيئة أخرى كانت تسمى الهيئة الإسلامية لجنوب السودان، وأصبحنا نعاني من تضارب في العمل بين هذه الهيئات، ومن ثم تأسست هيئة سميناها "مجلس تسيير" عهد إليه بالتحضير لمؤتمر تأسيسي تنبثق منه هيئة توحد الهيئات السابقة وتجمع المسلمين في بوثقة واحدة، وبحمد الله تم هذا المؤتمر في مارس/آذار الماضي وانبثق عنه المجلس الإسلامي لجنوب السودان، بقيادة الفريق الطاهر بيور.
 
ما هي أهداف هذا المجلس؟
 
إضافة إلى ما سبق ذكره من أهداف مثل لم شمل المسلمين وترشيد تدينهم، وضعنا إستراتيجية للدعوة إلى الإسلام وذلك عبر التأثير في الغير بعمل الخير، وعبر الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، والدعوة إلى الوسطية والاعتدال والتسامح.
 
سنحاول أن ننشط في المجال الاجتماعي ونقدم الخدمات للناس مثل إخواننا في مجلس الكنائس السوداني، وسنحاول أن ننتشر في كافة أنحاء جنوب السودان ونقدم الخدمات للمواطن الجنوبي ونفسر ونشرح له ديننا، ثم نترك له بعد ذلك حرية الاختيار في أن ينضم إلينا عن قناعة وبإرادته أو لا ينضم، وحتى لو أننا من كل ألف شخص أدخلنا خمسة إلى الإسلام عن قناعة وتبصر فإن ذلك يعد بالنسبة إلينا نجاحا، وحتى الآخرون فإننا نعتقد أن معاملتهم بالحسنى وفعل الخير لهم سيجعلهم سندا لنا وإن لم يدخلوا في ديننا.
 
بنيتم تأسيس المجلس على عدة أوراق ومشاريع قدمتموها في مؤتمركم التأسيسي، هل لكم أن تلخصوا لنا بعضها؟
 
قدمنا عدة أوراق فعلا في هذا المؤتمر، لكننا مركزون على مجالين، وهما الدعوة والتعليم، كما فسرناهما من قبل، نحن نريد أن نعلم المسلمين شؤون دينهم وأن ندعو إلى الإسلام من شاء من الجنوبيين غير المسلمين، وسنسعى أيضا إلى تمكين أبناء المسلمين من تعليم قوي، وسنبذل قصارى جهودنا حتى لا تتوقف سفينة تعليمهم عند المرحلة الثانوية أو دونها، بل سنعمل من أجل إرسالهم إلى الجامعات والمعاهد العليا، ومن أجل تمكينهم من التكنولوجيا.
 
ولدينا أيضا في المجلس أمانة سميناها "أمانة الكوارث" ستختص بالعمل في مناطق وأوقات الكوارث، سواء منها الطبيعية أو تلك التي يتسبب فيها الإنسان، وهذه الأخيرة كثيرة، خاصة عندنا في الجنوب.
 
ألا يتعرض المسلمون للتضييق في جنوب السودان؟
 
لا أقول إنه ليس هناك تضييق، لكن حكومة جنوب السودان فطنت لذلك وبدأت تتدخل.
 
ممن يحدث التضييق؟
 
في البداية كان كل من هب ودب يضايق المسلمين، لكن اليوم بحمد الله الحكومة واعية بهذا وتعمل على وضع حد له، ويحرص على ذلك رئيس حكومة الجنوب نفسه السيد سلفاكير ميارديت، ونائبه رياك نشار الذي يعد من أكثر الناس النشيطين في السعي إلى أن يكون المسلم الجنوبي مثله مثل أي مواطن آخر.
 
وفي الفترة الأخيرة كانت لدينا بعض الأماكن والمقار والممتلكات التي تعود للمسلمين، تطاول عليها بعض الناس وأخذوها بالقوة، فجاء الدكتور رياض يتحرك مع عدد من المسلمين بقيادة السلطان عبد الباقي أيي، واسترجعوا عدة محلات ومنها مقر المجلس الإسلامي لجنوب السودان. وعلى العموم فالمسلمون هم جزء لا يتجزأ من المجتمع الجنوبي.
 
نحن على بعد أسابيع قليلة من إجراء استفتاء تقرير مصير جنوب السودان، لو جاءت نتيجته بانفصال جنوب السودان، هل سيؤثر ذلك على وضع المسلمين هنا؟
 
بهذا الشكل الذي أراه اليوم وبصفتي عضوا في البرلمان، فإن هذه النتيجة لو جاءت لن تؤثر أبدا على وضع المسلمين، لأن ديننا يعلمنا أن نطيع أولي الأمر، ونحن تحت إمرة رئيس حكومة الجنوب سلفاكير وله علينا الطاعة، وإذا تطاول بأي طريقة أو أخرى كأن يمنعنا من عبادة الله ومن ممارسة شعائر ديننا فإننا حتما سنقف ضده، لكن الحكومة بكل صراحة فتحت لنا مجالات عدة، فلم تكن هناك مساجد وها هي ذي اليوم والحمد لله منتشرة.
 
وإذا كانت نتيجة الاستفتاء هي الوحدة، ألن يكون هناك من دعاة الانفصال من يرى في مسلمي جنوب السودان عدوا جاءهم من الشمال؟
 
لا، لن يحدث ذلك، فنحن تجاوزنا مرحلة كان ينظر فيها إلى المسلم في جنوب السودان على أنه عدو، وصارت الآن لدى الجميع قناعة مفادها أننا جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، يضرنا ما يضر كل الجنوبيين ويفرحنا ما يفرحهم.
 
 وإذا جاء خيار الشعب بنتيجة الوحدة فإن كل أبناء الجنوب لا بد أن يقبلوا به. ثم إن لي أنا وجهة نظر شخصية وخاصة في هذا الموضوع، فقد يأتي الاستفتاء بانفصال سياسي وجغرافي، لكن بكل تأكيد يستحيل أن يكون هناك انفصال اجتماعي.
 
ففي الفترة الماضية حصلت زيجات بين الطرفين بأعداد كبيرة  ومهولة، فهناك شماليون كثر تزوجوا بجنوبيات وجنوبيون تزوجوا بشماليات، ونتجت عن ذلك أسر وأبناء ومصاهرات وعلاقات اجتماعية يستحيل اليوم تفكيكها.
 
ولذلك فأنا مطمئن كل الاطمئنان لمستقبل المسلمين في جنوب السودان مهما كانت نتيجة الاستفتاء، وليس هناك ما يضرهم من هذا الجانب، ومنذ أن فتحنا أعيننا في هذا الجنوب ونحن نتعلم أن الدين لله والوطن للجميع، فنحن نعيش في وطن واحد ولكل واحد الحرية في أن يختار الدين الذي يريد.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة