ميهوبي: العربية بالجزائر أفضل حالا   
الأربعاء 21/3/1435 هـ - الموافق 22/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 17:54 (مكة المكرمة)، 14:54 (غرينتش)

ميهوبي رفض القول إن اللغة العربية في بلاده تعيش أحلك أيامها (الجزيرة)

ياسين بودهان-الجزائر

رفض رئيس المجلس الأعلى للغة العربية بالجزائر القول إن العربية في بلاده تعيش أحلك أيامها مثلما يذهب إليه البعض، وأبرز عز الدين ميهوبي أنه لا يجب قراءة المسائل بهذه السوداوية، ذلك أن العالم بأسره يعيش فوضى لغوية.

وأضاف -في مقابلة مع الجزيرة نت- أنه لا يوجد أي بلد في العالم غير معني بالتحولات التي تشهدها مسائل اللغة من تفاعلات ثقافيّة وسياسيّة واجتماعية، كما هو الشأن بالنسبة لبلجيكا وكيبيك بكندا، وقد شهد العام 2013 حدثين تمثّلا في اعتماد كمبوديا للغة الصينيّة إلى جانب لغتها الأصليّة لدواعٍ اقتصاديّة، وإقرار الروسيّة لغة أساسيّة في سوريا لدوافع سياسيّة.

وتوقع ميهوبي أن يشهد العالم خلال المائة سنة القادمة تحولات لغوية "رهيبة"، ونشهد حينها صراعات على مستوى الهويّة تنتهي بموت لغات وانبعاث أخرى، وتظهر لغة الشفرة كلغة بديلة في المجال التقني. ويؤكد ميهوبي أن الأمر ليس محصورا بالجزائر، فكل العالم الآن يعيش "حروبًا لغوية غير معلنة لكنّها عنيفة".

وفي تقديره، فإنه لا ينبغي النظر إلى الجزائر في مسألة اللغة كجزء مستقل، وإنما ينبغي النظر إليها من خلال المُعطى العربي ككل. وبرأيه، إن اللغة العربية عموما سيكون لها كيانها اللغوي المستقل خلال المائة سنة القادمة بجانب الإنجليزية (التي تسعى لابتلاع اللغات الأجنبية) والصينية التي تتخلص من تعقيداتها، على اعتبار كل لغة لها أبجدياتها ولها منطوق حروفها، ومعجمها وبنيتها اللغوية.

استهداف العربية
وبناء على ذلك، يؤكد أن وضع العربية في الجزائر ربما هو أفضل من وضعها في بعض البلدان العربية التي لم تعشْ حالة استعمار استيطاني، فالجزائر كانت عرضة لحملة استعماريّة استهدفت اقتلاع لسان الجزائريين من حناجرهم، والقضاء على لغتهم كعنصر أساسي في الهوية الجزائرية، شأنها شأن المعتقد والعادات والتقاليد، لذلك يشدد على أن العربية بالجزائر قاومت طويلا، فمن غير المعقول -يضيف ميهوبي- أن بلدانا لم تتعرض لاستعمار تنازلت عن لغتها الأصلية، وفي الجزائر حافظت العربية على حيويتها في المجتمع، وهي الآن تستعيد حضورها على الصعيد التعليمي والإداري والإعلامي وحتى على صعيد الإبداع.

ميهوبي: الجزائر كانت عرضة لحملة استعماريّة استهدفت اقتلاع لسان الجزائريين من حناجرهم، والقضاء على لغتهم كعنصر أساسي في الهوية الجزائرية شأنها شأن المعتقد والعادات والتقاليد

وحول حديث البعض عن سيادة الفرنسية واحتقار العربية بين أوساط المثقفين والسياسيين وأن الفكر والنتاج العلمي والأدبي المنشور بلغة الكاتب والأديب الفرنسي "موليير" الأكثر غزارة منه بالعربية، أكد رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين سابقا أن هذا الحديث يبقى مجرد طرح إعلامي يفتقد للدقة وللتحليل العلمي، فليست هناك إحصاءات دقيقة تُثبت هذه الفرضية.

ويكشف ميهوبي أنه في الجزائر يوجد ما يقارب 850 دار نشر منها 550 محترفة، وقليل منها ينشر كتبًا بغير العربية، بل إن هناك دور نشر لا تنشر إلا بالحرف العربي لاعتبارات تجاريّة، لكنه يشير إلى أن الكتاب المنشور بالفرنسية يحظى بالترويج والدعاية، دون القفز بأرقامه على حقيقة أن الكتاب الذي يصدر بالعربية الأكثر إقبالا وانتشارا، والمسألة برأيه ليست مفاضلة بين اللغتين ولكن هي مسألة هوية، ثمّ إنّ ثلث الجزائريّين يتلقون تعليمهم بالعربيّة أساسًا.

وأوضح كذلك أن الحكومة الجزائرية تُولي اهتماما بالغا لتطوير اللغة وذلك منذ الاستقلال، وتساءل: أين كانت اللغة حاضرة في كل المواثيق والدساتير كلغة رسمية إلى جانب شقيقتها الأمازيغية التي تمتّ دسترتها في العام 2002 كلغة وطنيّة؟

ثلاث هيئات
ويبرز الاهتمام أكثر -وفق ميهوبي- إذا علمنا أن الجزائر هي الدولة الوحيدة التي خصت المسألة اللغوية بثلاث هيئات أساسية، هي المجمع الجزائري للغة العربية الذي يعنى بالجانب المعجمي وتطوير اللغة تحت إشراف اللسانيين والأكاديميين، إلى جانب المحافظة السامية للأمازيغية، والمجلس الأعلى للغة العربية الذي أُنشئ سنة 1998 وتداول على رئاسته كل من الدكتور عبد الملك مرتاض والدكتور محمد العربي ولد خليفة (الرئيس الحالي للبرلمان). ويضطلع بمتابعة تعميم استعمال اللغة العربية في كل القطاعات الوزارية وفي مختلف الهيئات الرسمية، وفي نهاية كل سنة يرفع تقريرا إلى رئيس الجمهورية حول وضع اللغة العربيّة، وما هي المستويات التي وصلتها؟ وما هي المعوقات التي تحول دون انتشارها؟

المجالس المحلية المنتخبة عليها فهم أن دورها ليس ترميم الأرصفة والطرقات فقط، ولكن الحفاظ على الهوية من خلال دعم انتشار العربية في المحيط، ووقف الانفلات اللغوي الحاصل لدى بعض أصحاب المحلات التجارية

ويؤكد ميهوبي أن هناك جهودًا صادقة تبذلها العديد من الهيئات في هذا الإطار، لكن العبء ليس دائما على المجلس فقط، لأنّه هيئة استشارية تقوم بتشخيص وضع اللغة العربية وتحفيز الرأي العام بالتنسيق مع مختلف الهيئات لجعل العربية تنتشر أكثر، ويحمل جزءا من المسؤوليات للمجالس المحلية المنتخبة، التي عليها فهم أن دورها ليس ترميم الأرصفة والطرقات فقط، ولكن لها دور في الحفاظ على الهوية من خلال دعم انتشار العربية في المحيط، ووقف الانفلات اللغوي الحاصل لدى بعض أصحاب المحلات التجارية الذين يذهب بهم الانبهار بكل ما هو أجنبي إلى المساس بمكوّنات الهويّة الوطنيّة.

وأشار إلى أن المجلس يقوم بإصدار مجلتين الأولى بعنوان "اللغة العربية" مفتوحة أمام الباحثين والأكاديميين المهتمين باللغة، ومجلة "معالم" وتعنى بترجمة مستجدات الفكر العالمي من آداب وكتابات فكرية عالمية، إلى جانب إصدارات مختلفة تجاوزت 150 كتابًا وكلها تعنى بمسائل العربية والثقافة والهوية بكلّ أبعادها، إلى جانب تنظيم ندوات مستمرة تعنى بمسائل اللغة، وتقام أيضا ندوات لتكريم أشخاص نظير جهودهم المتميزة في خدمة العربية، فضلاً عن تنظيم جائزة المجلس لخدمة اللغة العربية كل سنتين.

عمل ميداني
وأوضح ميهوبي أن المجلس يتجه نحو العمل الميداني من خلال ما أسماه "العمل اللغوي الجواري" أو تعميم العربية في المحيط بهدف الحفاظ عليها وتخليصها من الرطانة والتهجين بإشراك الفاعلين في المجال سواء كانوا جمعيات أو باحثين أو جامعات أو وسائل إعلام.

وختم بأن المجلس يعمل على توسيع المحتوى الرقمي العربي ورفع حصة الجزائر فيه بتحسين المضمون الذي تحتويه الشبكة الرقمية، لأن حضور اللغة العربية في الإنترنت لا يتجاوز 3%، والجزائر لا تشكل إلا جزءا صغيرًا جدا من هذه القيمة.

لذلك يخلُص ميهوبي "سندعو الباحثين إلى المساهمة الكبيرة في الإنترنت من خلال نشر أبحاثهم في مواقع متخصصة أو مدونات من أجل تحقيق قيمة مضافة للغة العربية، وإلا نحن سنبقى نراوح مكاننا ونعجز، كعرب مجتمعين، عن بلوغ ما تقدمه السويد لوحدها".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة