الصاوي: السيرة الذاتية تنقل أصداء الماضي لا الحقيقة   
الثلاثاء 3/7/1436 هـ - الموافق 21/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:56 (مكة المكرمة)، 10:56 (غرينتش)

حاوره/محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يعد الدكتور مصطفى الصاوي أحد أبرز وجوه النقد والكتابة النقدية في السودان، وله إسهامات في السيرة الذاتية، إذ ارتبط بها أكاديميا كدراسة للدكتوراة، وارتبط بها ثقافيا في المنتديات والإذاعة السودانية.

وللدكتور مصطفى إسهامات في الكتابة النقدية عن الرواية والشعر والقصة، كما ينشط كمسئول عن حركة النشر في مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأمدرمان بجانب أنه أستاذ جامعي للأدب في الجامعات السودانية. التقته الجزيرة نت في حوار شمل العديد من المحاور


 تثير قضية إدراج السيرة الذاتية ضمن الجنس الروائي الكثير من الأسئلة، هنالك من يرى أن كتابة السيرة الذاتية تراجعٌ عن المكتسبات الفنية للرواية وثمة من يرى خلاف ذلك

ليس هنالك شكل جوهري للرواية، فعلى مدى تطورها شهدت أشكالا مختلفة وتداخلات، فالسيرة الذاتية أو رواية السيرة الذاتية يتداخل فيها المتخيل والواقعي، ولا أعتقد أن هنالك أي تراجع فني يصيب الرواية بإدراج الذات فيها طالما كان الكاتب متمكنا ولديه القدرة الكافية علي التمييز بين الواقعي والمتخيل. وأكثر السير الذاتية صدقا وبوحا ومعالجة للحوادث لا بد لها من بعض التخيل فأنت لا تستطيع أن تعيد إنتاج الحياة كما عشتها بل تنقل أصداء الماضي

 اقتران الكتابة الجديدة بالمسكوت عنه هل لارتباطها بمدرسة ما بعد الحداثة أم لتأثير الواقع الإجتماعي السائد في الوطن العربي؟

الفن الروائي في أعظم نماذجه ليس سباحة مع التيار بل سباحة عكس التيار وصولا إلى اكتشاف دخيلة الذات، والمتغيرات الاجتماعية الحادة التي تمور بنا، وفي السابق كان الروائي يحتاج إلى معايشة ورصد للواقع وتخيل، أما الآن فقد صار الواقع أكثر ضراوة وعنفا وغموضا من المتخيل. ألا ينبغي للكاتب أن يتوغل عميقا في الإمساك باللحظات التي هربنا منها طويلا؟

 وكيف تنظر إلى دور الرقابة في محاصرة المسكوت عنه؟

الرقابة التي لم تستسغ مثل هذا لا ترى أبعد من أنفها وما حجبته بالأمس متداول اليوم في الفضاء الواسع.. ومن الطبيعي أن يميل الكتاب إلى رفع اللثام عن المسكوت عنه وتبيانه، والمسكوت عنه ليس فقط في أدب الشباب -وإن بدا كظاهرة الآن- ولكن جذوره في السودان تجلت عند علي المك وشوقي بدري والزين بانقا منذ عدة عقود

 الكثير من المبدعين والمثقفين السودانيين دخلوا السياسة من باب الإبداع أمثال محمد أحمد المحجوب، منصور خالد، مبارك زروق، محي الدين صابر وغيرهم والبعض اليوم يطالب بمسافة ما بين المبدع والسياسي.. كيف تقرأ ذلك؟

فلنتساءل هل يمكن التماهي بين السلطة والمثقف؟ الإجابة على هذا السؤال واضحة، مسافات طويلة وممتدة تفصل بينهما. المثقف الحقيقي تنويري ومستقبلي والسلطوي آني ولا يرى أبعد من أرنبة  أنفه، والكاتب الحقيقي إذا تماهى مع السلطة أو برر لها أو تحول إلى بوق دعائي يبتعد كثيرا عن مفهوم الفن الرفيع ليغدو مزمرا في آلة إعلامية ضخمة. وحقا السياسة السودانية اختطفت القدر الكبير من المفكرين في بداية عصر النهضة السودانية وعلينا أن نتمهل قليلا وأن نقر بتراجع دور المثقف التنويري

 كيف تنظر إلى السيرة الذاتية السودانية بالنسبة للسيرة العربية؟

السيرة الذاتية في السودان لا تقل في حيائها عن السيرة العربية لعدة أسباب، إذ ليس لدينا القدرة العالية على الاعتراف بالأخطاء ولا أقول الذنوب، أضف إلى ذلك أننا نحاول أن نصنع لأنفسنا صورة مغايرة عن الأصل قوامها الإدعاء وهذا لا يتناسب مع مفهوم الصدق في السيرة الذاتية، السيرة العربية بالرغم من كثرتها وتعددها يقل فيها كثيرا عنصر البوح والمكاشفة. وفي السودان أغلب من كتبوا آثروا الهروب إلى صيغة المذكرات التي تعنى بالمجتمعي أكثر من الذاتي، وتعنى بحراك المجتمع أكثر من حراك الفرد وهي ذاتها وقعت في وهدة الذات للتبرير وإدعاء البطولة الزائفة والصمت عن الحقائق. وثمة غياب كامل للسيرة النسوية في السودان.

 هنالك من يرى أن السيرة الغيرية أقرب إلى الرواية.. هل تتفق؟

السيرة الغيرية أقرب إلى التاريخ، فطالما أردت أن تكتب عن شخص وتوثق له على مدى مراحل حياته وإنجازاته فإنك مطالب بالدقة التاريخية أكثر من التخيل. وفي السودان انتشار واسع وكبير للسيرة الغيرية وهي أكثر قربا إلى علم التاريخ فقد كتب عثمان حسن أحمد عن إبراهيم أحمد وكتبت فدوي عبد الرحمن علي طه عن والدها "بين السياسة وأربجي والتعليم"، ويمكن الإشارة إلى كتاب عبد الماجد عليش عن منصور خالد. والسؤال في السيرة الغيرية إلى أي مدى يستطيع كاتبها أن ينفذ إلى شخصية المترجَم له ويقدمها كما هي في الحياة في أفعالها وأقوالها.. وأقول إننا نهرب من كتابة الذات إلى كتابة المذكرات ومن كتابة المذكرات إلى كتابة السير الغيرية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة