موسيقى التفعيلة .. طاهر رياض نموذجا   
الأربعاء 1432/1/17 هـ - الموافق 22/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:55 (مكة المكرمة)، 13:55 (غرينتش)
غلاف الاعمال الشعرية للشاعر طاهر رياض (الجزيرة نت)

عدي جوني
 
لا يختلف اثنان على أن الشعر فن إيقاعي بامتياز، لا لجهة التزامه بشرط الوزن والقافية فحسب، بل لكونه يستولد من تكرار الإيقاع وتنوعاته إيحاءات تتلاءم مع المنظومة الدلالية للنص بأسره موظفا ولو بطريقة غير مباشرة الكثير من الخصائص من فن الموسيقى.

وبغض النظر عن مواقف الخلاف بشأن شرعية الشعر من خلال قوانين الوزن والبحور أو الخروج والتمرد عليها عبر التفعيلة كما في الشعر الحر أو حتى القطيعة معها كليا كما في قصيدة النثر، لا يستطيع الشاعر وإن حاول الهروب من الإيقاع لأنه إن فعل طرد من جنة الشعر أصلا.

إن الإيقاع ببساطة هو الوجه الذي يعطي للشعر ملامحه وسماته البيولوجية الرئيسية مقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى، لكنه وفي الوقت نفسه يعطيه صلات القرابة مع أجناس تعبيرية مغايرة -بالتصنيف التقليدي- تستفرد هي أيضا بتنويعات مميزة للإيقاع وتحتكرها وسيلة خاصة بها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر الرقص.

ويأتي اختيار الشاعر الأردني طاهر رياض نموذجا لهذه الدراسة البسيطة كونه من الشعراء الذين يعتمدون الإيقاع في قصائده أسلوبا ذاتيا، يخدم من خلاله مناخ القصيدة ويمنحها دلالات نفسية وإيحائية تكمل الفراغ القابع بين نهايات المقاطع الشعرية بشكل تشعر معه بأن الإيقاع يستمر ويتواصل يرتفع وينخفض ويتلون وكأنه يرافق المفردات كآلة موسيقية.

وكي لا أنسب لنفسي فضل السبق في هذا المجال، لا بد أن أشير إلى الدراسة المتميزة للباحثة الأردنية الدكتورة رحاب الخطيب التي نشرتها مجلة نزوى الأدبية العُمانية في عددها الثامن والخمسين الصادر في يوليو/تموز 2009.
 
"
يأتي اختيار الشاعر الأردني طاهر رياض نموذجا لهذه الدراسة البسيطة كونه من الشعراء الذين يعتمدون الإيقاع في قصائده أسلوبا ذاتيا يخدم من خلاله مناخ القصيدة ويمنحها دلالات نفسية وإيحائية
"
إيقاعية اللغة
وقبل كل شيء لا بد أن نتذكر أن الشعر ليس هو ما يعطي اللغة إيقاعها، بل العكس صحيح، لأن الإيقاع هو جزء عضوي من مورفولوجية اللغة نفسها عبر هذا التناوب بين الأحرف الصائتة والأحرف الساكنة، ويعد هذا المبدأ أصلا ثابتا في كل لغات العالم بما فيها المحكية بل يمكن الذهاب إلى أكثر من ذلك للقول بأن اختلاف اللهجات في اللغة الواحدة يعود في جزء كبير منه إلى السمة الإيقاعية للكلام.

من هذه الخصيصة، تمنح طبيعة اللغة للشاعر أنساقا إيقاعية تتناسب مع طبيعة اختيار المفردات أولا، ثم -وهنا الأهم- الإلقاء، لأن الشعر كما يقول الناقد الكندي المعروف نورثروب فراي في كتابه "تشريح النقد" فن خطابي يرتكز على وجود منصة وشاعر وجمهور، دون أن يعني ذلك إلغاء صفة الغياب للشاعر في حضور الكتاب إلا في إطار تباين فهم الإيقاع بين قارئ وقارئ.

من هذا المنطلق تصبح الموسيقى حتى في الكلام المنثور حاضرة، ولكن بدرجة أقل من الشعر، لأن الأخير كما يقول الناقد الكندي فراي يقترب في العديد من آلياته من فن الموسيقى بل وقارب بين العديد من القصائد الإنجليزية والنوتة الموسيقية وسمات اللحن بمصطلحاته الفنية الخاصة بسرعة الإيقاع وارتفاع نبرته وخفضها.

وما يعزز هذا الكلام إلى حد كبير أن بحور الشعر العربية نفسها تتماثل في إيقاعاتها مع ألحان شهيرة علي سبيل المثال أن بحر الوافر بتفعيلاته (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) يتطابق إلى حد كبير في تراصف وتجاور حركاته وسكناته مع الأغنية الشهيرة التي يعرفها سكان بلاد الشام (سكابا يا دموع العين سكابا).

والمقصود في هذا الكلام أن الشعر فن موسيقي تقع على عاتق الموهبة الشعرية مسؤولية حسن توظيفه بما يخدم الرؤية الدلالية والجمالية للنص، فالموسيقى في هذه الحالة تمثل المعادل الفني أو الداخلي للنص (Correlative Subjective) مقابل المعادل الموضوعي الذي تحدث عنه الشاعر الأميركي المعروف تي إس إليوت صاحب قصيدة "الأرض اليباب".

غائية الإيقاع
إن مفهوم الإيقاع في الموسيقى يمازج بين سمات الصوت ارتفاعا وانخفاضا طولا وقصرا والتي سأطلق عليها -إن صح التعبير- اسم الأبعاد الرباعية وطبيعة الكلام نفسه بتكويناته الصائتة والساكنة موزعا على النبر والوقف والتنغيم والوصل، ولعل العارف بأصول التجويد يدرك جيدا المفاعيل الجمالية لإيقاع النص القرآني وقدرته على توظيف طبيعة اللغة بشكل متناسق رغم اختلاف أساليب القراء.

بيد أن هذه الخصيصة الفنية الصوتية لطبيعة اللغة لا تقف معلقة بذاتها ولذاتها كترف جمالي بل تعد أداة تستخدم في إثراء دلالات المعنى والتواصل وتوضح للمتلقي الغاية المرادة من الكلام.

وهنا أستعير من كتاب "جدلية الزمن" للفيلسوف الفرنسي باشلار غاستون (1884-1962) -والكتاب من ترجمة خليل أحمد خليل- إشارته إلى أن الإيقاع يعد الطريقة الوحيدة لضبط الطاقات النفسية المتنوعة باعتباره أساس الدينامية النفسية.

"
هل الإيقاع أو الموسيقى في الشعر حالة واعية يتم استحضارها عمدا بشكل مسبق؟ أم تأتي نتيجة عوامل نفسية لا واعية تستدعيها ضرورة الحالة الشعورية للكاتب لحظة ولادة النص؟؟؟
"
ولتوضيح هذه المقولة أعود إلى دراسة الدكتورة رحاب الخطيب، "موسيقى الشعر وقصيدة النثر تأويل الإيقاع في شعر طاهر رياض"، التي تقول إن "الوزن لا يضبط الطاقات النفسية وينظم تنوعها وحسب، وإنما له قيمة تعبيرية عن الحالة النفسية، وقيمة تأثيرية منبثقة عنها، فقد بينت تجربة عمد بها أحد علماء النفس إلى قياس مدى تأثير الوزن والنسيج الصوتي أن الوزن أكثر العناصر تعبيرا عن الحالة المزاجية، يليه النسيج الصوتي بقيمه التعبيرية المتعددة والمختلفة".

أي أن الوزن الحامل الفني للإيقاع بصفته بنية ذهنية تجريدية -على حد تعبير الدكتورة رحاب الخطيب- يبقى عاملا إدراكيا بالدرجة الأولى لأنه يلعب دور الناقل للتأثير الصوتي ودور الموصل للتعبير الدلالي في إطار الرسالة السمعية دون إهمال المفهوم البصري الانطباعي الذي حدده اللغوي السويسري فرديناند دو سوسير في تقسيمة للعلامة اللغوية.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل الإيقاع أو الموسيقى في الشعر حالة واعية يتم استحضارها عمدا بشكل مسبق؟ أم تأتي نتيجة عوامل نفسية لا واعية تستدعيها ضرورة الحالة الشعورية للكاتب لحظة ولادة النص؟؟؟
 
تشريح النقد
ويجيب الناقد والأكاديمي الكندي نورثروب فراي عن هذا السؤال في كتابه "تشريح النقد" بشكل مباشر وصريح في مقاربته للشعر مع الفن الغنائي بقوله: "في الشعر -الفن الخطابي الإلقائي- يمهد اختيار البحر لشكل التنظيم البلاغي، فالشاعر يطور مهارة اعتيادية غير واعية عبر التفكير في البحر الشعري، وبالتالي يطلق لنفسه العنان للقيام بأشياء أخرى مثل السرد، وتوسيع الفكرة أو القيام بالتعديلات التي يستلزمها الشكل.

ويضيف "بيد أن كل هذه العناصر لا تتفق مع ما نحسب -نموذجيا- أنه الإبداع الشعري الذي يبقي عملية بلاغية مترابطة يبقى معظمها دون عتبة الوعي أو الإدراك، وفوضى التورية واللعب على الكلمات، أو ما يشبه الأصوات أو الأحاسيس الغامضة والذكريات الأقرب إلى الحلم، ومن هذا (المجموع) ينشأ التزاوج الغنائي الإيقاعي بين الصوت والأحاسيس".
 
طاهر رياض نموذجا
وفي محاولة لتطبيق هذه المفاهيم، اخترت قصيدتين للشاعر طاهر رياض من أعماله الشعرية 1983-2008 المجموعة في ديوان صادر عن وزارة الثقافة الأردنية 2010 تحت اسم سلسلة إبداعات، وهما قصيدة "حلاج الوقت" من المجموعة التي تحمل نفس العنوان الصادرة عام 1993، و "ليس البحر بعيدا" من مجموعته الشعرية "ينطق عن الهوى" 2008.

إن الميزة الأساسية في شعر طاهر رياض أنه ظل وفيا لمفهوم الإيقاع وموسيقى النص دون أن يعيقه ذلك عن التمرد على الشكل الثابت للقصيدة الكلاسيكية، رغم أن البعض يرى في الخضوع للقافية أو الوزن بحد ذاته استسلاما للشكل التقليدي للشعر العربي ومحاولة لإعادة تعويم التراث الذي يطلب الحداثيون وما بعد الحداثيين بترسيخ القطيعة معه لأنه -برأيهم- فقد وظيفته الجمالية والتعبيرية بحكم التقادم التاريخي وبحكم تطور علم الدلالة والنقد السيمولوجي للنص المرتكز على تأويل النص لا على تشكيله الفني.

وبالتالي من يقرأ الأعمال الشعرية التي أشرت إليها في الفقرة ما قبل الأخيرة يدرك بشيء من الإمعان أن طاهر رياض لم يقاطع التراث ولا الأصول التي قامت عليها القصيدة الكلاسيكية بل أعطاها شكلا حداثيا سواء من حيث تنويع المقطع الشعري بطريقة الهارموني الموسيقية وإدخال مفهوم الحوار أو المونولوغ المسرحي في بعض القصائد موظفا حسن توزيع الإيقاع وضبط الصوت بشكل يقدم فيه الحالة الشعرية بطريقة لافتة.

أي أنه وبعبارة أخرى أجاد في استخدام الأبعاد الرباعية بشكل يدل على امتلاكه للأداة الفنية المدركة لتفاصيل العروض والوزن، وقدرته على توظيف هذه المعرفة في تطوير أسلوبه الخاص دون أن يخرج عن المألوف والمقبول للذائقة العربية في الإيقاع.

الشاعر طاهر رياض (الجزيرة نت-أرشيف)
حلاج الوقت
في "حلاج الوقت" يستحضر شخصية إسلامية فكرية إشكالية ربما لم تزل تثير جدلا كثيرا حتى الآن، ويقدم معه أسئلة تاريخية، وكأنه يعيد الحلاج إلى الحياة مرة أخرى ليرد على منتقديه في ظرف افتراضي يلبس شكل الحوار أو المونولوغ المسرحي
 
(1)
ما في الجبةِ أحد
(2)
تفنى الناسُ،
وأسماءُ الناسٍ،
ويفنى الوسواسُ الخناسُ

ويبقى لوّاباً في الجبّةِ
وجهُ الرَّيب الصمدُ.
(3)
كيف رأيتَ الموتَ.
"كبشا أملح يُذبحُ"
لكني حين دنوت
لم أر موتى،
كانت تيجان من ياقوتٍ
تهوي في العتمةِ،
أشجارٌ تنضو في عفتها
وسماء ترتعد
(4)
ما في الجبة أحد
 
القصيدة من البحر المتدارك بتفعيلة "فاعلن فاعلن" وهو بحر سريع الإيقاع لقصر المساحة الصوتية للتفعيلة بشكل يوحي بسمة النبر المتوالي، وفي هذا المقطع يبدو لي أن الشاعر أعطى الحلاج نبرة غاضبة كأنما أراده أن يرد على منتقديه بلغة قطعية قوامها التماسك والقوة.
 
وفي إطار هذه القراءة، يبدأ الشاعر قصيدته "ما في الجبة أحد" التي يعتمدها لازمة موسيقية تضبط إيقاع القصيدة وسرعتها متحايلا على ذلك في بعض المقاطع حيث تتبدل سرعة الإيقاع خدمة للنص، ولذلك نرى الشاعر، وقد أفرد لهذا البيت مقطعا خاصا به.

في المقطع الثاني تقل سرعة الإيقاع دون الخروج عن التفعيلة (ويفنى الوسواس الخناس) حيث تأتي القافية المهموسة "سين" لتحافظ على المسافة الصوتية المتطابقة بين (الناس/الوسواس/الخناس)، لتمهد بشكل متناغم بين طباق دلالي منتقى بعناية: يفنى ويبقى وكلاهما فعل ناقص لامه (أي آخره) ألف تمنح الكلمة نهاية صوتية مفتوحة قابلة للمد وبشكل لا يبطئ الإيقاع وحسب بل يؤسس دلاليا لبقية المقطع ليقارب بين "أحد والصمد" في توحيد دلالي لتأكيد المفردة الأولى "ما في الجبة" التي تعود لتشكل اللازمة الإيقاعية.

وعلى شاكلة علامة (#) التي تعرف في الموسيقى باسم (دييز) وهي إحدى علامات الرفع على السلم الموسيقي التي يعرفها المختصون في هذا المجال جيدا، يأتي البيت الأول في المقطع الثالث ليرفع النبرة لتقدم سؤالا "كيف رأيت الموت؟؟
 
يقابله البيت الثاني بالجواب بطبقة صوتية مماثلة بادئا بكلمة كبشا منصوبة "أي رأيته كبشا أملح يذبح" مع تكرار حرف الحاء في (أملح) و(يذبح) مع تغيير العلامة الإعرابية بشكل إيقاعي متسلسل الفتح ثم الضم في تنويع للنغمة الموسيقية للمقطع الشعري مع الإشارة إلى حرف الحاء بصفته حرفا هامسا يتناقض إيقاعيا مع المقطع الثاني ابتداء من كلمة لكني التي تقارب في تأثيرها علامة البيكار الموسيقية وتعني إعادة الطبقة الصوتية إلى طبيعتها.
 
"
في توظيف مميز لتفعيلة المتقارب "فعولن فعولن"، يوزع طاهر رياض مفرداته كما يوزع المطر الهادئ -غير المصحوب بالعواصف- قطراته بشكل متساو
"
تشكيل الإيقاع
في هذا المقطع يعيد الشاعر النغمة إلى مستوى الاعتدال الطبيعي تمهيدا لرفع النبرة مجددا "د(نوت لم أر موتى كا)نت" حيث يتخلى رياض عن القافية المتطابقة إلى القافية المتشابهة قبل أن يعيد التجانس الإيقاعي بين "ترتعد و"أحد".

لكن اللافت هو البيت القائل "لم أر موتى" حيث يبدو وقد قارب لفظيا بين "دنوت وموتى" في تشكيل الإيقاع العام للمقطع متلمسا في (أرمو/فعلن، تى كا/فاعل) ما يشبه علامة البيمول في الموسيقى، وتعني علامة الخفض (b) وهي عكس علامة الرفع (#)، ومن يعرف الموسيقى جيدا يعلم أن مثل هذه النقلات بين الرفع والخفض تساعد على الانتقال بين المقامات الشرقية، ولا أدري إن كان رياض طاهر مطلعا على المقامات الموسيقية، لكنه وبالتأكيد يتمتع بأذن موسيقية.

هذا القطع المفاجئ في "لم أر موتى" والتباطؤ في الإيقاع يخدم بشكل سلس في استكمال الاستدراك (لكني حين دنوت/لم أر موتى) ويمهد لعودة الإيقاع إلى طبيعته في (كانت تيجان من ياقوت) قبل أن يتلاعب بسرعة الإيقاع مرة أخرى في (تهوي في العتمة) ليعاود سرعة الإيقاع مجددا في (أشجار تنضو عفتها/وسماء ترتعد) مع الانتباه إلى إيقاع الفعل في الأبيات (تهوي، تنضو، ترتعد) مع التذكير بأن "ترتعد" هي تمهيد لعودة اللازمة الإيقاعية (ما في الجبة أحد).
 
إيقاع المطر
وأنتقل الآن إلى القصيدة الثانية "مطر" وهي من قصائد طاهر رياض في المجموعة الشعرية "ينطق عن الهوى" 2008 واختار منها:
 
تمهّلْ، لأملأ صوتي بصوتِك
يا مطرَ الليل،
خذْ نفساً عميقاً
وعرّج عليَّ
أنا خلكَ الأزليّ
نديم مسراتِك الماجناتِ
وحارسِ سرّكَ
هذي الرياحُ التي أنت تخلع أثوابَها
وتحلّ ضفائرَها،
عبرت بي قبلُ..
وهذا الترابُ الذي تطلق الآن أشواقَه
كنت عجنتهُ بيدي
وأنبتّ فيه شفاهَ نساءٍ
وخطوَ نساءِ
وشوكاً جسوراً
يعربدُ في رأسه الزهرُ
 
وأطلب من القارئ أن يضع نفسه في لحظة سمعية وبصرية قوامها مطر خفيف يهطل على شكل زخات متباطئة السرعة بفواصل متساوية تتقطع فيما بينها على فترات متقاربة تتوزع على الوقف الساكن أو الممدود والضم المشدود في كل من "تمهلْ، خذْ، هذي، أنبتّ".
 
هذه المفردات الاستهلالية في كل مقطع هي وببساطة المفاتيح الإيقاعية التي تتساوق أولا مع الحالة التأملية للشاعر الذي يوازن بين المعادل الموضوعي للمحيط (الجو الماطر) والمعادل الفني الذاتي (التفعيلة الثابتة) ليمنح القصيدة كلا وجوديا يقوم على الحالة الشعورية المنطوقة بالكشف عن مكنونات الذات في ظل تجلي الذاكرة وتطهير النفس، ويرسم حالة من النشوة الممتزجة بالشجن يعطي فيها المطر مساحات الذاكرة نفسها فيتحول المطر إلى مخاطب ملموس باليد وباللغة.
 
في توظيف مميز لتفعيلة المتقارب "فعولن فعولن"، يوزع طاهر رياض مفرداته كما يوزع المطر الهادئ -غير المصحوب بالعواصف- قطراته بشكل متساو وإن لم يخل الأمر من بعض العشوائية التلقائية ليعطي الإيقاع تناغما متجانسا "هارموني" متساوي المسافات الصوتية يربط فيما بين بعض مقاطعها بالتدوير.
 
من باب التوضيح في البيتين الأول والثاني في المقطع الأول، يدور الشاعر التفعيلات على الشكل التالي:
تمهل/ لأملَ/ أصوتي/ بصوت/
فعولن/ فعول/ فعولن/ فعول
ثم يستخدم آلية التدوير:
ك يام/طر الليـ ل
فعول/ فعولن
 
وكأني هنا أشعر بطاهر رياض يلقي قصيدته بطيء الإيقاع، لأن التفعيلة تعطي مساحة لحرية الصوت في المد يتوقف أحيانا على شكل قطرة ليعيد سلسلة القطرات مرة أخرى بشكل متوال وعلى نفس النسق، وهذا أسلوب مميز وجميل تعززه الصورة البلاغية لأنسنة المطر وجعله شخصا مخاطبا بفعل الأمر أو تبادل حديث الذكريات معه بشكل يوحي بأن طاهر رياض يقترب كثيرا من أسلوب الشعراء الرومانسيين الذين يتمسكون بغنائية القصيدة منهجا لهم.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة