سيمفونية الأرض والحياة في رواية "رماد الشرق"   
الخميس 1435/4/7 هـ - الموافق 6/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 11:53 (مكة المكرمة)، 8:53 (غرينتش)
غلاف رواية "رماد الشرق" للجزائري واسيني الأعرج (الجزيرة)
عبد الرزاق بوكبة
 
منذ رواية "سوناتا لأشباح القدس" يلمح "قارئ واسيني الأعرج تحولا في تجربته الروائية يتمثل في الخروج بمتونه من الفضاء الجزائري، والاهتمام أكثر بالقضايا العربية، وتأتي روايته "رماد الشرق: الذئب الذي نبت في البراري"، لتؤكد هذا التوجه.

في رواية "سوناتا لأشباح القدس" -وعبر حكاية امرأة فلسطينية- نقرأ تاريخا بأكمله من النزوح والآلام التاريخية والوجودية والجسدية للإنسان العربي بعد النكبة الفلسطينية، والتي خلقت جرحا عميقا في الشخصية والثقافة العربيتين، وفي الوجود العربي ككل.

ولا تجد هذه الشخصية -أمام هذه العذابات- إلا اللجوء إلى الفن للتحصن من برودة المنافي، والبحث عن وطن مستحيل من خلال ما ترسمه أو تدونه، وهو الأمر نفسه الذي فعله "جاز" بطل "الذئب الذي نبت في البراري"، والذي يقع في الولع بتركيب سيمفونيته نبضا.. نبضا، والحلم بعرضها في أوبرا بروكلين في نيويورك.

رواية الأعرج تحاول أن تكشف أسرار اللعبة التاريخية، وعبث الإنسان بالتاريخ، وعبر شخصية "بابا شريف" ننتبه إلى ضرورة قراءة التاريخ في سياقه الذي أنتجه، لا بعيون الحاضر

موسيقى للأرض
يكابد "جاز" العربي المسلم -الذي يعيش في أميركا بعد أحداث سبتمبر/أيلول 2011- من أجل أن يضمّن سيمفونيته خوف أمه عليه من تيه الهوية، ويصب فيها ذلك الامتلاء الذي تركه جده "بابا شريف" في رأسه، ويطوق نفسه بسؤال دائم: كيف أعثر على تلك اللمسة التي لا تقتل، لكنها تمنح الحياة بقوة؟

تحضر تحولات الشرق في بداية القرن الماضي بقوة في رواية "رماد الشرق: الذئب الذي نبت في البراري"، ويستثمر الأعرج التاريخ العربي من سايكس بيكو إلى نكبة فلسطين وغيرها، عبر بعض شخوصه مثل يوسف العظمة والأمير عبد القادر الجزائري والملك فيصل ولورانس العرب واللنبي وغيرهم، وتتحول فلسطين لديه إلى موضوع روائي، ويبقى السؤال الذي يطرح بإلحاح منذ صورة الغلاف: هل نحن أمام رواية تاريخية؟

سمفونية "جاز" -التي تستند إلى ذاكرة الجد العربية الموشومة، والتي يحاول البطل تركيبها قطعة قطعة- هي محاولة في البحث عن الهوية الحائرة واستعادة لتاريخ من الصراعات والتحولات من سوريا إلى لبنان إلى فلسطين والتي لا شك في أنها كانت مؤثرة بواقعنا الحالي، وهي أيضا سيمفونية للحياة والأمل.

تعود الرواية -عبر ذكريات "بابا شريف"- إلى الجذور الأولى للمأساة  الفلسطينية، وتضعنا أمام كم لا يستهان به من الحقائق التاريخية، تواريخ وأحداث وشخصيات ومواقف أثثت الرواية بشكل رسّخ "أقدامها" في تربة التاريخ.

وسؤال التاريخ ليس الوحيد الذي يفرض نفسه (ليس من باب المصادرة طبعا)، بل هناك أسئلة كثيرة يطرحها القارئ بتحريض من الواقع العربي المتحرك اليوم، ومنها: لماذا رواية عن شرقنا العربي وعن فلسطين، وفي هذا الزمن العربي بالذات؟

إن الثورات العربية -التي اندلعت في العديد من الأقطار العربية- قد ساهمت -إلى حد بعيد- في تحويل الرأي العربي والعالمي عن القضية الفلسطينية. ومن جهة أخرى، فإن اللجوء إلى التاريخ -وتحديدا إلى بدايات الصراع العربي الإسرائيلي- قد يفسر هذا الواقع العربي الراهن.

من هنا تحاول رواية الأعرج أن تكشف أسرار اللعبة التاريخية وعبث الإنسان بالتاريخ، وعبر شخصية "بابا شريف" ننتبه إلى ضرورة قراءة التاريخ في سياقه الذي أنتجه، لا بعيون الحاضر.

وحرص واسيني الأعرج في "رماد الشرق" على ضخ الحياة في جسد الماضي ليغدو حيا ومتحركا، ونابضا بالعواطف والمشاعر. وعبر رمزية "الصندوق" يقوم "بابا شريف" باستخراج صور قديمة، ليحكي عنها، وعن الوجوه التي ظلت تقاوم خريف الذاكرة، ليجعلنا نسمع احتراقاتها الداخلية.

لا تنسى الرواية أن التاريخ في وجه من وجوهه -وبعيدا عن صرامته- هو تاريخ الإنسان، فاحتفت كثيرا بعشقه للحياة والفن، وبتطلعه إلى مستقبل أفضل "هذه قدس الجميع، قدسي أنا، كما أعشقها وأشتهيها

ذاكرة الأرض
تقول مايا "بدأ الوضع يتعقد هنا كذلك، اليهود يا (خيو) بدؤوا بمطالب العدل، فأصبحوا يطالبون بالأرض، دخلوا الأرض من كل الأمكنة باسم القانون الإنجليزي واللاقانون واستقروا هنا، سيأتي يوم -إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن- يطردوننا فيه".

تقدم الرواية المأساة الفلسطينية بوصفها تجربة الاقتلاع والطرد والنفي خارج المكان من خلال إقدام عصابات "الهاغاناه" على طرد الفلسطينيين من أراضيهم وتشريدهم، وتبرز لنا أن لعبة التاريخ قاسية، وتتضاعف قسوتها حين يتحول المكان إلى موضوع الصراع بين الوافد الناهب الذي جاء باسم شرعية أسطورية بأحقيته في المكان، وبين السكان الأصليين لهذه الأرض، وما كانت تراه "مايا" لحظتها كابوسا صار حقيقة.

لا يقرأ الأعرج واسيني التاريخ خارج مفهوم الصراع بين القوى التاريخية التي استعانت بالكثير من الوسائل لإدارة هذه الحرب، فلم يكتفِ الصراع بالحروب الميدانية، بل تعداها إلى حروب الذاكرة والثقافة والهوية أيضا.

ونجح صاحب "كتاب الأمير" في أن يقدم فلسطين بوصفها أكبر تجربة تاريخية لما يمكن أن نسميه صراع التأويلات بين الثقافات والديانات، فما حدث في تاريخ هذه القضية أن المعركة انتقلت من الصراع على الأرض إلى صراع في تأويل تاريخ هذه الأرض، وجدارة كل طرف على الآخر بها.

لا تنسى الرواية أن التاريخ في وجه من وجوهه -وبعيدا عن صرامته- هو تاريخ الإنسان، فاحتفت كثيرا بعشقه للحياة والفن، وبتطلعه إلى مستقبل أفضل "هذه قدس الجميع، قدسي أنا، كما أعشقها وأشتهيها".

وانتبهت الرواية بحدة إلى احتراقات الذات الصانعة لتاريخها الخاص، والمقاومة لكل أشكال الاضمحلال الوجداني، حيث نصطدم بشخصيات عاشقة ومحلقة في سماء هذا العشق لهذه الأرض (الذاكرة والوجود).

فذاكرة "بابا شريف" -الذي كان يتذكر أيام الصبا وأيام القبلة الأولى في حارات القدس القديمة- هي بالذات تلك الذاكرة المتفلتة من يد المؤرخ الصارم الذي يرى بعين واحدة ذلك الماضي البعيد.

وتؤكد الرواية -من خلال قدرتها على استكناه روح الإنسان والمكان- على أن الروائي وحده من يتعاطى مع التاريخ بوصفه قطعة من وجود حي، ومتدفق بدماء دافئة، فهو -التاريخ- داخل "رماد الشرق" يتوقف عن كونه مجرد متحف يأوي الآثار الباردة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة