عاصم عمر.. من التنظير للجهاد إلى قيادته   
الأربعاء 16/11/1435 هـ - الموافق 10/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:35 (مكة المكرمة)، 10:35 (غرينتش)

جاء اختيار عاصم عمر، المنظر الإسلامي الباكستاني، كزعيم لجناح القاعدة الجديد في شبه القارة الهندية بمثابة مفاجأة للمراقبين والمهتمين بنشاط الجماعات الإسلامية المسلحة.

وتقول مصادر استخباراتية وأعضاء في تنظيمات إسلامية أجريت معهم مقابلات صحفية، إن السمعة العامة لعمر هو أنه رجل علم وفكر أكثر منه مقاتلا. وهو شأنه شأن المنتمين للتنظيمات الإسلامية المقاتلة، محاط بنوع من الغموض، وهناك تعتيم متعمد على أي معلومات شخصية أو تنظيمية عنه لأسباب أمنية.

تقول المعلومات المتوفرة عن عمر، إنه في منتصف الأربعينيات من عمره، ونال قسطا وافرا من التعليم في المدارس الدينية الباكستانية، ويتميز بقدرات خطابية متميزة. وبالنسبة لشخص وضع كل طاقاته في البحث والدرس والحلقات النقاشية في المدارس الدينية، يرى المراقبون أن أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة قد وضع الرجل أمام مهمة ليست باليسيرة، وتتطلب مزيجا من الدراية الشرعية والقدرات العسكرية.

وقد لفت عاصم عمر أنظار زعماء التيار الجهادي لأول مرة عندما التحق بجامعة العلوم الإسلامية في كراتشي بباكستان، التي كان يدرس فيها المفتي نظام الدين شامزاي، الذي دعا إلى الجهاد ضد القوات الأميركية وحلفائها إبان حربي أفغانستان والعراق. كما التحق عمر أيضا بدار العلوم الحقانية شمال غرب باكستان، وهي مدرسة فقهية مهمة يديرها سميع الحق الذي يلقب بـ"أبي حركة طالبان".

يقول أحد المقاتلين الإسلاميين في منطقة القبائل الباكستانية إنه عرف عاصم شخصيا، وكانت أول مرة ينتبه فيها الظواهري لقدرات الرجل عام 2011، في الفترة التي اغتيل فيها زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن.

"
مقاتل بمنطقة القبائل الباكستانية:
بدأت القاعدة باستقطاب عناصر جديدة وتدريبهم على القتال في أفغانستان. واليوم اختير مولانا عاصم عمر كزعيم لتنظيم القاعدة في جنوب آسيا. هذا الرجل يتمتع باتصالات قوية ومباشرة مع المنظرين الإسلاميين في باكستان والعراق وأفغانستان

استقطاب
يقول المقاتل الذي اشترط عدم ذكر اسمه "بعد مقتل بن لادن، أخذ زعيم التنظيم الجديد الظواهري يعمل على إعادة تنظيم الصفوف، وكان تركيزه بشكل أساسي على منطقة جنوب آسيا. وبدأت القاعدة باستقطاب عناصر جديدة وتدريبهم على القتال في أفغانستان. واليوم اختير مولانا عاصم عمر كزعيم لتنظيم القاعدة في جنوب آسيا (...) هذا الرجل يتمتع باتصالات قوية ومباشرة مع المنظرين الإسلاميين في باكستان والعراق وأفغانستان".

أما البعد السياسي لاختيار عمر، فيجمع الكثير من المراقبين على أنه خطوة لاستعادة زمام المبادرة بعد أفول نجم تنظيم القاعدة وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المشهد، بعد النجاحات العسكرية التي حققتها في سوريا والعراق وإعلانها الخلافة الإسلامية، مما يعني أن قطع تنظيم القاعدة علاقاته مع تنظيم الدولة في فبراير/شباط الماضي لم يفتَّ في عضد الأخير ومضى يحقق النجاح تلو الآخر.

من جهة أخرى، هناك من يرى أن إعلان الظواهري توسع التنظيم لجنوب آسيا هو خطوة تكتيكية محضة، يسعى التنظيم من خلالها لاستثمار علاقاته الوطيدة والتاريخية بحركة طالبان في أفغانستان وباكستان على حد سواء، وهي خطوة تهيئ للوثوب على منطقة شبه الجزيرة الهندية وفرض سيطرة أكبر عليها مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان.  

جدير بالذكر أن تنظيم القاعدة لم يسجل حتى الآن أي حضور لافت في الهند التي يسكنها قرابة 175 مليون مسلم.

في المقابل، ومع انحسار نفوذ التنظيم في العراق والمشرق العربي عموما، فقد وصل تأثير تنظيم الدولة إلى معاقل تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان، وشوهد أنصاره يوزعون المنشورات المؤيدة للتنظيم في بيشاور بباكستان، كما سجل التنظيم حضورا مهما في كشمير الهندية، حيث رفعت راياته في مسيرات منددة بالحكم الهندي للإقليم الذي يطالب سكانه المسلمون بالاستقلال عن الهند.

عامر رنا:
ديدن الجماعات الإسلامية تغيير تكتيكاتها. يجلبون عناصر جديدة من خلفيات جديدة ومختلفة. ذلك يساعد على ضمان تسليط الضوء على الجماعات تلك، ويوسع من طيفها الفكري مما يعطيها بعدا جديدا ودفعة جديدة

أكاديمي ومنظر
وبالعودة إلى اختيار عمر لقيادة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة الهندية، فرغم أن الرجل أكاديمي في المقام الأول، فإنه يعتبر من المفكرين والمنظرين البارزين للتيار الجهادي، وكتب أربعة كتب مهمة في ترويج وترسيخ فكرة الجهاد، كان أحدها "جيش المسيح الدجال" الذي ركز على نشاطات شركة "بلاك ووتر" الأميركية للخدمات الأمنية السيئة الصيت، والتي ارتبط اسمها بقتل المدنيين العراقيين، وحادثة ساحة النسور في بغداد التي قتل فيها 17 مدنيا عراقيا بنيران عشوائية فتحها عليهم عناصر بلاك ووتر.

وقد يكون أحد عوامل اختيار الظواهري لعمر هو نشاطه في السنين الماضية الموجه نحو مسلمي الهند تحديدا، حيث أصدر عددا من التسجيلات المصورة يدعو فيها مسلمي كشمير للالتحاق بالجهاد ومقاتلة "الكفار"، وذكرهم بأمجاد الهند العظيمة عندما كانت تحت الحكم الإسلامي أيام إمبراطورية مغول الهند.

يقول الخبير في نشاط الجماعات الإسلامية في باكستان، عامر رنا، لوكالة الصحافة الفرنسية "إن ديدن الجماعات الإسلامية تغيير تكتيكاتها. يجلبون عناصر جديدة من خلفيات جديدة ومختلفة. ذلك يساعد على ضمان تسليط الضوء على الجماعات تلك، ويوسع من طيفها الفكري مما يعطيها بعدا جديدا ودفعة جديدة".

ويبقى السؤال الذي لم يجب عليه أي من المتخصصين الذين تحدثوا لوسائل الإعلام: هل من المتوقع نجاح عمر -الذي لا يعرف مكان وجوده- في مهمته، ولو نسبيا؟ الأيام وحدها هي الفيصل في الإجابة على هذا السؤال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة