الاكتظاظ.. كابوس في سجون تونس   
الأربعاء 9/6/1435 هـ - الموافق 9/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 21:15 (مكة المكرمة)، 18:15 (غرينتش)

خميس بن بريك-تونس

عندما دخل الشاب التونسي حاتم (و) السجن لأول مرة بتهمة الاتجار في المخدرات لم يكن يدري أنه سيوضع في غرفة مكتظة بالمساجين، بعضهم مجرمون خطيرون محكوم عليهم بعقوبة طويلة في السجن. 

هذا الشاب الذي بقي قيد التوقيف في سجن المرناقية بالعاصمة تونس طوال سبعة أشهر قبل أن يفرج عنه خرج بذكريات مريرة حول مآسي الزنازين المكتظة وقسوة النزلاء الذين لديهم نفوذ وسطوة في السجن. 

يقول حاتم للجزيرة نت حول الظروف التي عاشها في سجن المرناقية "إن الاكتظاظ كان لا يطاق لدرجة أن المساجين كانوا يعانون مشقة الذهاب للاستحمام أو لقضاء حاجتهم جراء الانتظار في طوابير". 

ويضيف أن بعض النزلاء كانوا يفترشون الأرض من كثرة الازدحام، مشيرا إلى أن السجن تحول جراء كثافة المساجين إلى "غابة" يهيمن فيها القوي على الضعيف بسبب انتشار العنف والعراك بينهم.

لكن الشيء الذي "يندى له الجبين" -كما جاء على لسانه- هو عدم الفصل بين فئات المساجين والزج بأشخاص يودعون السجن لأول مرة مع مساجين محكوم عليهم بأحكام طويلة ومع أصحاب سوابق عدلية خطيرة. 

شالاف: المفوضية دأبت على زيارة السجون التونسية لسنتين قبل إصدار تقريرها (الجزيرة)

معايير دولية
وهذه الشهادة تتطابق مع تقرير المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في تونس تحت عنوان "أوضاع السجون التونسية بين المعايير الدولية والواقع" الذي تطرق لمسألة عدم الفصل بين فئات المساجين. 

حول هذا التقرير يقول ممثل المفوضية في تونس ديميتي شالاف للجزيرة نت إن المفوضية توصلت إلى هذه القناعة
بعد زيارات متتالية لعشرات السجون التونسية خلال العامين الماضيين، إضافة إلى "تعاون مثمر" مع السلطات التونسية، وفق تعبيره.

ويوضح أن التقرير ارتكز على معطيات قدمتها الإدارة العامة للسجون والإصلاح وعلى مقابلات أجريت مع مديري السجون التونسية التي تزورها المفوضية دون ترخيص مسبق بناء على اتفاقية
مع السلطات. 

وبسؤاله حول ظاهرة الاكتظاظ بالسجون التونسية يقول شالاف إن التقرير جاء ليدق ناقوس الخطر من تداعيات الاكتظاظ الذي يصعب عمل أعوان السجون ويدهور الظروف الصحية والإنسانية للمساجين. 

وجاء في التقرير أن الاكتظاظ يشكل عنصر ضغط على موظفي السجون فيصبحون أقل قدرة على السيطرة على العنف بين السجناء الذين يعانون من المكوث ساعات طويلة داخل الغرف التي تشكو من نقص في كمية الهواء والأكسجين. 

واحتل سجن القصرين صدارة السجون الأكثر كثافة (150.5%) حسب التقرير، تلاه سجن القيروان
(138%)، فسجن سوسة (115%)، مع العلم أنه يوجد في تونس 27 مؤسسة سجنية تؤوي حوالي 22 ألف سجين. 

العلوي أقر بأن مشكلة الاكتظاظ تولد
ضغطا نفسيا على العاملين والسجناء
 (الجزيرة)

جرائم صغيرة
وأرجع شالاف أسباب الاكتظاظ لعدم تفعيل العقوبات البديلة أو العقوبات لفائدة المصلحة العامة ولجوء القضاء لعقوبة السجن في الجرائم الصغيرة، ناهيك عن تباطؤ المحاكمات وارتفاع عدد المساجين قيد الإيقاف التحفظي (60%) وضعف البنية التحتية. 

في السياق نفسه، لا يختلف المتحدث باسم الإدارة العامة للسجون والإصلاح فيصل العلوي مع المسؤول الأممي حول أسباب الاكتظاظ، ولو أنه يضيف أسبابا أخرى كارتفاع نسبة الجرائم ونسبة العودة للسجون وطول مدة الإيقاف.

ويقر هذا المسؤول الحكومي للجزيرة نت باستفحال ظاهرة الاكتظاظ داخل السجون التي يقول إنها تعيق تكريس عملية الإصلاح والتأهيل وتولد ضغطا على العاملين في السجون وجوا مشحونا بالتوتر لدى المساجين. 

كما كشف عن ضعف الأرصدة المالية المخصصة للإدارة العامة للسجون والإصلاح التابعة لوزارة العدل لبناء سجون جديدة أو القيام بأشغال توسعة أو ترميم للسجون الحالية والتي تعرض عدد منها للتخريب بعد الثورة من قبل المساجين. 

ونفى العلوي وجود حالة عدم فصل بين فئات السجناء في تونس، وأكد أن هناك فصلا داخل السجون التونسية بين النزلاء المبتدئين الصغار والكبار وبين النزلاء المحكومين في جرائم خطيرة والمحكومين في جرائم صغيرة. 

من جهة أخرى، شدد العلوي على أن العناية الصحية بالمساجين "تبقى جيدة رغم حالة الاكتظاظ"، مشيرا كذلك إلى وجود برنامج للقيام بأشغال توسعة لبعض السجون ولإصلاح ورشات تأهيل المساجين في وقت قريب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة