هل يستهدف زيكا الفقراء دون الأغنياء؟   
السبت 1437/6/11 هـ - الموافق 19/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:36 (مكة المكرمة)، 10:36 (غرينتش)

يقول المثل البرازيلي "البعوض شيطان ديمقراطي"، فهو يلدغ الأغنياء والفقراء دونما تفرقة. لكن انتشار عدوى زيكا الفيروسية كشف النقاب عن بون شاسع في مستويات المعيشة في البلاد، عندما يتعلق الأمر بمن يتحمل عبء السكنى في أحياء المعدمين وسط جحافل الحشرات.

وقالت جلايسي دا سيلفا -التي تقطن في واحدة من أشد المناطق فقرا في مدينة ريسيفي شمال شرق البرازيل التي تمثل بؤرة استشراء عدوى زيكا- "بوسعك أن ترى أسراب البعوض حول أكوام القمامة هنا في ضاحيتي".

سيلفا أصيبت بعدوى زيكا التي ينقلها البعوض أثناء حملها، ورزقت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بطفلتها ماريا، وهي واحدة من أكثر من سبعمئة طفل ولدوا بالتشوه الخلقي الصعل -الذي يكون فيه حجم رأس المولود صغيرا- في البرازيل منذ رصد المرض العام الماضي، ويشتبه بعلاقة هذه الحالة بعدوى زيكا وبتأثيرها على نمو المخ والجسم.

ويشتبه في تسبب إصابة الأم الحامل بفيروس زيكا بإصابة جنينها بالصعل. وقالت البرازيل إنها أكدت أكثر من 740 حالة من الصعل تعتبر أن معظمها يرتبط بعدوى زيكا لدى الأمهات، وهس تبحث في أكثر من 4200 حالة مشتبه بها من الصعل أيضا.

وتقع ضاحية إيبورا العشوائية الكثيفة السكان -حيث تعيش سيلفا- على مرمى حجر من الحي الراقي المطل على الشاطئ في ريسيفي ببناياته الفارهة، لكن شتان بين مستوى المنطقتين.

ويعيش أكثر من خمسين ألفا في ضاحية إيبورا التي تنتشر فيها القمامة، ولا يملك سوى 10% من السكان شبكة للصرف الصحي أو الماء الجاري، مما يجعلها مرتعا خصبا للبعوض.

جثة كلب في بحيرة قمامة بمدينة ريسيفي في البرازيل (رويترز)

نفايات
وقالت سيلفا البالغة من العمر 27 عاما لرويترز "أحيانا يجيء عمال مجلس المدينة لجمع النفايات لكن سرعان ما تتراكم ثانية".

وخلال العقد الماضي، حققت البرازيل مكاسب ضخمة في سبيلها للقضاء على التباين في مستويات المعيشة وانتشلت نحو أربعين مليون شخص من براثن الفقر، لكن عدوى زيكا -التي رصدت لأول مرة في الأميركيتين العام الماضي- علاوة على أسوأ حالة كساد خلال عقود من الزمن، نالت من حالة ازدهار البلاد.

وأسهمت حملة تعمير سريعة وعشوائية على مدى عقود في البرازيل التي يبلغ عدد سكانها 205 ملايين نسمة، في افتقار الكثير من مناطق سكنى الكادحين للمرافق الأساسية، مما ترك الفقراء عرضة للإصابة بعدوى زيكا والفيروسات الأخرى التي ينقلها البعوض.

ويشير أحدث تعداد أجري عام 2010 إلى أن 35 مليون برازيلي يفتقرون للمياه الجارية، ولا توجد شبكات للصرف الصحي لأكثر من مئة مليون نسمة، كما أن أكثر من ثمانية ملايين من سكان المدن يعيشون في مناطق تفتقر إلى الخدمات المنتظمة لجمع القمامة، كما يعيش أكثر من 11 مليون برازيلي في مناطق عشوائية يتكاثر فيها البعوض.

ولا تحتفظ البرازيل بسجلات للشرائح الاجتماعية والاقتصادية من ضحايا زيكا، لكن يبدو أن الفيروس يلحق الضرر بالكادحين بصورة هائلة، وأجرت رويترز مقابلات مع أربعين امرأة أصبن بزيكا خلال الحمل وأنجبن أطفالا يعانون من الصعل.

أكثر من 11 مليون برازيلي يعيشون في مناطق عشوائية يكثر فيها البعوض (رويترز)

مناطق متواضعة
وأظهرت المقابلات -التي جرت في مستشفيات وبلدات وضواح- أن جميع النسوة جئن من مناطق ذات خلفية اجتماعية متواضعة.

فمثلا لا تنعم جوزماري دا سيلفا -وهي أم لطفل عمره خمسة أشهر ولد مصابا بالصعل- بالمياه الجارية في بيتها ذي الغرفة الواحدة الذي يعج بشاغليه، إلا عندما تصل شاحنة لتملأ خزانا مؤقتا تتشارك فيه مع جارتها.

وتقول سيلفا -وعمرها 34 عاما وهي عاطلة عن العمل تقوم بتسيير شؤون حياتها من خلال تلقي معونة من برنامج حكومي يمنحها نحو مئة دولار شهريا- "لا نرى الشاحنة إلا كل بضعة أسابيع، ونشتري الماء في غياب الشاحنات بواقع عشرة دلاء صغيرة في المرة الواحدة".

وفي المنطقة ذاتها، يقوم السكان بتخزين المياه في أي خزان موجود، وغالبا ما يكون دون غطاء مما يهيئ البيئة المثالية لبعوضة الزاعجة المصرية "أيديس إيجيبتاي" -التي تنقل فيروس زيكا- كي تضع بيضها.

وقالت سيلفا -وهي أم لأربعة أبناء- "حتى مع استخدام الناموسيات يصحو صغيري وقد اكتسى جسمه بلدغات البعوض الذي لا يمكنني أن أتجنبه نظرا لكثرته".

أكثر من ثمانية ملايين من سكان المدن في البرازيل يعيشون في مناطق تفتقر إلى الخدمات المنتظمة لجمع القمامة (رويترز)

تحور البعوض
وتؤكد حملات التوعية التلفزيونية على المواطنين ضرورة استخدام المواد الطاردة للبعوض -والتي تفوق أسعارها قدرات الفقراء- مع ارتداء قمصان بأكمام طويلة وسراويل طويلة في الجو الصيفي الحار.

ومما يزيد من تعقيد مكافحة البعوض أن بعضا من خبراء علوم الحشرات في البرازيل يرون أن بعوضة الزاعجة المصرية -التي كان يعتقد منذ زمن بعيد أنها لا تضع البيض إلا في المياه النظيفة- قد تتكاثر في مياه ملوثة بالصرف الصحي.

وقال رئيس الجمعية البرازيلية للهندسة الصحية والبيئية دانتي راجاتسي باولي "إذا كانت البعوضة قد تحورت للعيش في مياه الصرف الصحي فقد وقعنا في مأزق خطير، ونحن بالفعل وسط وضع خطير للغاية وطريقنا الوحيد للخروج هو إنشاء المرافق الصحية. لكننا نفتقر إلى الاستثمارات وإلى الإدارة السليمة ولا أتوقع تقدما ملموسا قبل خمسين أو ستين عاما أخرى".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة