ثورة علم البيونيك .. ما بين الأصالة والتجديد   
الاثنين 22/6/1435 هـ - الموافق 21/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)

* د. وحيد محمد مفضل

صفة العلم هي الملاحظة والبحث والتجريب، لذا فإنه يندر أن يمر يوم دون أن يشهد العالم منتجا أو اختراعا جديدا من هنا أو هناك. ومن صفات العلم أيضا التشعب والتجديد، لذا أصبح من الشائع أن نسمع بين الفينة والأخرى عن بزوغ نجم علم جديد، أو عن ولادة تخصصات جديدة من صلب أحد العلوم القديمة، وعن ثورات علمية وتقنية متلاحقة، لا تكف عن إثارة دهشتنا ولا عن تقديم مزيد من الاختراعات المذهلة.

وهذا ما ينطبق تماما على علم البيونيك (Bionic)، الذي حقق في السنوات الأخيرة قفزة هائلة وساهم في تحقيق أكثر من اكتشاف علمي مذهل، كما أصبح يمثل نافذة أمل حقيقية لملايين المرضى وذوي الإعاقة، وهذا من واقع دوره في تطوير عدد كبير من الأجهزة الطبية التعويضية، وما يعرف حاليا باسم الأطراف الصناعية الذكية.

فن التعلم من الكائنات
يعرف علم البيونيك بأنه ذلك العلم الذي يقوم على محاكاة الباحثين للطبيعة والوظائف الحيوية للكائنات الحية، وتطبيقها في المجالات الهندسية والتقنية، وهذا بما يمكن معه ابتكار تقنيات وأدوات جديدة أو تحسين أداء الوسائل والأجهزة التقنية المتاحة حاليا. وهو فرع من فروع الهندسة، بدأ في التبلور والظهور منذ خمسينيات القرن الماضي، وإن كان انتشاره وذيوعه الأساسي لم يتحقق إلا خلال السنوات القليلة الماضية.

وعلى الرغم من حداثة علم البيونيك النسبية إلا أنه لا يمكن في الواقع تجاهل فكرة أن التعلم من نواميس الطبيعة وعملية محاكاة الكائنات الحية واستغلال وظائفها الحيوية عموما في حياتنا، قد بدأ فعليا منذ زمن بعيد، حينما حاول مثلا العالم الإيطالي الشهير ليوناردو دافينشي، ومن قبله العالم العربي عباس بن فرناس، تصميم جناحا من أجل التحليق والارتفاع به عاليا في الجو مثل الطيور.

ولما نذهب بعيدا، وقد طبق أجدادنا الأوائل قبل كل هذا فكرة البيونيك واقعيا، حينما لاحظوا قدرة الحيتان والدلافين على الإبحار بسرعة كبيرة وهذا بفضل الزعنفة الظهرية، فجرى منذ ذلك الحين تصنيع القوارب والسفن بشكل محدب ومشابه لهذه الزعنفة، وهذا للمساعدة على الإبحار واختراق المياه بسرعة.

وقد تتابعت منذ ذلك الحين وحتى وقتنا الحاضر عملية محاكاة قدرات ووظائف الحيوانات والنباتات والحشرات والطيور، بأشكال وتقنيات مختلفة، من أجل التعلم منها والاستفادة بقدراتها الاستثنائية في حياتنا العملية.

فقد استغل الإنسان مثلا تزويد الله الخالق الباري لأرجل الضفدع بخاصية معينة تتمثل في وجود أزرار التصاق تعمل على الإمساك بأوراق الأشجار حتى لو كانت رطبة (بفعل نظرية التفريغ الهوائي)، في تصنيع وإنتاج المشبك البلاستيكي اللاصق متعدد الأغراض، تماما كما استغل أسلوب التصاق أشواك نبتة اللزيق، في تصنيع شريط الفيكرو اللاصق الشهير.

وبالمثل فقد استفادت صناعة الطيران من دور الريش بأجنحة الطيور الكبيرة مثل النسر والعقاب في منع وتقليل الدوامات الهوائية التي تعوق الطيران وتمنع الطائرة من الطيران بثبات واستقرار. كما استغل الإنسان أيضا الظواهر الطبيعية وحاكاها من أجل تطوير أو اختراع مواد ومنتجات جديدة. فقد تم اكتشاف الكهرباء، على سبيل المثال، منذ وقت بعيد، حينما تم الربط بين البرق وظهور الوميض وإضاءة المناطق المحيطة، وبدأ بعد ذلك السعي والتجريب من أجل محاكاة هذه الظاهرة واستغلالها عمليا، حتى نجح "أليساندرو فولتا" عام 1800 ميلاديا في اختراع أول بطارية كهربائية، وهو ما تطور وأدى في النهاية إلى اختراع الكهرباء الحديثة.

كنغر آلي بيوني طوره علماء ألمانيون
يمكنه الوثب كالكنغر الحقيقي
(الأوروبية)

تطبيقات مدهشة
إضافة إلى الأمثلة والمنتجات النمطية الموضحة سابقا، يتقدم أيضا علم البيونيك بثبات في أكثر من مجال، مخترقا الآفاق ومحققا طفرة علمية وإنجازات تقنية حديثة ومذهلة.

ففي مجال الأجهزة التعويضية والحلول الطبية غير التقليدية، فقد تمكن مثلا فريق علمي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، منذ عامين من اختراع عين إلكترونية، وهذا عن طريق زرع شريحة إلكترونية دقيقة مغطاة بالتيتانيوم، داخل العين وتوصيلها بعدسة خارجية وكاميرا دقيقة، وهذا بغرض تحسين القدرات البصرية للمكفوفين. كما أعلنت شركة غوغل الأميركية الشهيرة مؤخرا عن تحقيق إنجاز مماثل، باختراعها عدسات لاصقة مزودة بكاميرا دقيقة قادرة على التقاط وتمييز الصور.

وبالمثل فقد تمكن فريق علمي من شركة "تاتش بيونيكس" الأميركية من إنتاج يد "بيونيك" تحاكي عمل وظيفة اليد البشرية، ويمكن التحكم بها من خلال جهاز استشعار يلصق على الجلد ويتم إدارته عن طريق إشارات المخ ودون الحاجة لإجراء أي جراحة. كما تمكن فريق ثان من جامعة تكساس من تطوير لسانا إليكترونيا يحاكي قدرة البشر على تذوق واكتشاف طعم مختلف الأطعمة، وتحديدا المذاقات الأربعة المتمثلة في الطعم المالح والحلو والمر والحمضي.

كما حقق علم البيونيك إنجازات أخرى مماثلة في مجالات الذكاء الاصطناعي وصناعة الروبوتات وغيرها من المجالات الأخرى المرتبطة. فقد تمكن على سبيل المثال فريق بحثي من إنجلترا من تصنيع رجل آلي حيوي (بيونيك مان) بتكلفة بلغت حوالي مليون دولار، حيث تم تزويده بأعضاء وعينان وجهازا للنطق يتيح فهم الجمل البسيطة، وأطرافا صناعية متطورة تمكنه من المشي لساعات، فضلا عن بنكرياس صناعي وكلية وطحال وقصبة هوائية ودورة دموية!.

وقد أدت النجاحات التي حققتها الأبحاث والتجارب الخاصة بعلم البيونيك إلى الانتقال إلى مرحلة التطبيق والتوسع في انتاج المواد البيونية، وهذا إلى حد ظهور كيانات وشركات عالمية عديدة متخصصة في البيونيك، ولاسيما في مجال تصنيع الأجهزة التعويضية والروبوتات الذكية، وبعض منها بدأ يتمدد وينتشر عالميا في أكثر من منطقة.

كما بدأت أغلب الجامعات والمراكز البحثية الغربية، تتسابق على إدراج علم البيونيك والمجالات الأخرى المقارنة ضمن مقرراتها ومناهجها التدريسية إيمانا منها بدور هذا العلم وبقية المجالات المرتبطة به في تشكيل مستقبل الإنسان وفي حل كثير من مشاكله الآنية والمستقبلية.

مزايا وعيوب
ولمنتجات علم البيونيك بصفة عامة والأجهزة الطبية التعويضية البيونية بصفة خاصة، شأنها شأن أي منتج جديد، مزايا عديدة وأيضا بعض العيوب. وتتمثل أهم المزايا، في حل كثير من المشكلات الطبية المستعصية، وتحسين الإنتاجية الفردية وجودة الحياة عموما بالنسبة لمتحدي الإعاقة وبقية المصابين ببتر في الأطراف.

كذلك لا يمكن تجاهل دور علم البيونيك في تطوير كثير من الأجهزة والأدوات التقليدية المتاحة، وفي تحسين معدلات الأداء ومقدار استهلاك الوقود لهذه الأجهزة، كما في حالة الجنيحات المعقوفة التي جرى تركيبها على أجنحة الطائرات، والتي تحسنت بسببها كفاءة الطيران ومعدل استهلاك الوقود. ومن مزايا المنتجات البيونية أيضا أنها قابليتها للتطوير والتعديل، وبالتالي فإنه من المنتظر أن يحمل المستقبل القريب آفاقا رحبة وإصدارات جديدة مطورة من هذه المنتجات، تزيد من كفاءتها وتقلل من آثارها الجانبية وسلبياتها إلى أقل حد ممكن.

أما أبرز العيوب فتتمثل في عدم بلوغ الأجهزة والأطراف التعويضية المكتسبة مستوى الحركة الطبيعية، والكلفة الباهظة جدا لصناعة المنتجات البيونية التعويضية، وهو ما يمثل تحديا كبيرا بالنسبة للفقراء ومحدودي الدخل، وهذا فضلا عن بعض السلبيات الأخرى مثل عدم قدرة الجسد في بعض الأحيان على تحمل ثقل الأجهزة البيونية التي يجب تثبيتها في الأعضاء المبتورة، وضرورة إجراء جلسات علاج طبيعي وتأهيلي كثيرة، وعمل صيانة دورية ومنتظمة للمنتج البيوني المثبت.

يتوقع العلماء أن يكون بمقدورنا زراعة أي عضو بشري في أجسامنا بآخر بيوني
في غضون ثلاثين عاما
(رويترز-أرشيف)

الآفاق المستقبلية
لا يمكن في الواقع التنبوء بالحدود التي يمكن أن يقف عندها ذلك العلم وتطبيقاته التقنية مستقبلا، إذ لا توجد حدود للإبداع، لاسيما مع المحاولات الحثيثة الجارية ومع التقدم المستمر في البرامج الحاسوبية والذكاء الاصطناعي والنانوتكنولوجي.

فبحسب علماء البيونيك، فإنه في غضون ثلاثين عاما من الآن سيكون بمقدورنا زراعة أو استبدال أي عضو بشري في أجسامنا بآخر بيوني أو إليكتروني ذكي، بما في ذلك الدماغ البشري، أعقد ما خلق الله تعالى. بل أن الأمر أقرب كثيرا من هذا التاريخ بالنسبة لإمكانية أنتاج كرات دم بيضاء بيونية ذكية، يمكن استخدامها وتوجيها لمهاجمة الخلايا المريضة أو المصابة بأحد الأمراض، كما يمكن برمجتها لإنجاز مهام طبية محددة، مثل ضخ أحد الأدوية المضادة للسرطان في الأماكن المصابة بهذا المرض.

والأمر نفسه ينطبق على إمكانية تصنيع خلايا دم حمراء صناعية، وكلى وأكباد بشرية بيونية، وهو ما يتوقع العلماء تحقيقه فعليا في غضون عشرة أعوام من الآن. الحديث يدور أيضا عن إمكانية زرع حاسة سادسة داخل الإنسان، وهذا عن طريق زرع شريحة إلكترونية صغيرة مزودة بمغناطيس صغير للغاية بالإبهام، يمكن بها استشعار المجال الكهرومغناطيسي والدوائر الكهربائية وخلافه. وهذا كله ليس إلا قطرة من غيث، إذ أن هناك تطبيقات أخرى كثيرة مدهشة لا يتسع المجال لحصرها هنا.

أما بالنسبة لشكل وأسلوب التطور المتوقع في علم البيونيك ومنتجاته مستقبلا، فإنه ينتظر أن يجرى هذا في ثلاثة اتجاهات رئيسية. الأول استمرار عملية محاكاة الحيوانات والطيور وبقية الكائنات نمطيا، واستغلال ذلك في تحسين أداء وإمكانيات الأجهزة والوسائل التكنولوجية الحالية أكانت طائرات أو قطارات أو غيرها، وهو ما تحاول وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مثلا تطبيقه حاليا من خلال محاكاة قدرات ذبابة الفاكهة في تطوير أسلوب مناورة وحركة المقاتلات الحربية الأميركية.

ويتمثل الاتجاه الثاني في التوسع في عملية زرع الأعضاء البيونية الذكية داخل الجسد البشري بديلا عن الأطراف المهترئة أو المبتورة، وتطوير هذه الأعضاء بحيث تكون أكثر ذكاء وأكثر كفاءة، وبحيث يساعد هذا على إنجاز المهام بشكل أسرع وأكثر سلاسة.

أما الاتجاه الثالث فيتمثل في استغلال علم البيونيك وبقية المجالات المرتبطة في "أنسنة" الآلة والروبوتات الصناعية، وهذا عن طريق تزويد هذه الروبوتات بشرائح إلكترونية ومستشعرات متطورة لإضافة خاصية الحس والتفكير والكلام، وغير ذلك مما يحاكي قدرة الإنسان، ومما يحولها إلى آلة ذكية.

هذا عن الاتجاهات المنظورة لتطور علم البيونيك ومنتجاته عالميا خلال الفترة القادمة. أما فيما يخص وضعية هذا العلم إقليميا، ومدى مساهمة العالم العربي والأدمغة العربية فيما يجري، فإن الأمر يبعث حقيقة على الحزن والشجن، ذلك أن هذا التخصص، يكاد يكون غائبا تماما للأسف عن مناهج التدريس في الأغلبية الساحقة للجامعات والمراكز البحثية العربية، بل وعن إدراك متخذ القرار ذاته، باستثناءات قليلة للغاية، نذكر منها جامعة الإمارات العربية المتحدة، ومركز الأمير سلطان لأبحاث الإعاقة بالرياض.

ولهذا على أي حال أكثر من دلالة ومعنى، منها أن الاستثمار في أحد العلوم ومحاولة تحقيق الريادة فيه، سيعود بالريادة حتما بل وبالربح أيضا على المستثمرين فيه، حتى ولو بعد حين. ترى هل ستلتفت حكوماتنا وجامعاتنا ومراكزنا البحثية العربية، لأهمية هذا العلم وآفاقه المستقبلية؟ وهل ستلتفت إلى أهمية الاستثمار البشري والمادي فيه؟ أم ستظل قابعة في دائرة التقليد العقيم والتخصصات العلمية الكلاسيكية؟.


________________
* باحث وكاتب علمي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة