مريد البرغوثي: دفن أوسلو تأخر كثيرا   
الأحد 6/11/1432 هـ - الموافق 2/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)

مريد البرغوثي: حاشية الرئيس عباس تريد أن تصنع منه صنما (الجزيرة نت)

حاورته/ فاتنة الغرة

الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي شاعر يصعب تصنيفه أو وضعه في إطار وجيل معين، وهو يرفض هذه التصنيفات ويراها من عمل الناقد الكسول. تمردت قصيدته على كل ما هو راهن، فبدت كأنها تسن قانونها الخاص الذي سرعان ما تحطمه في نصوص أخرى.

في حواره مع الجزيرة نت يتحدث صاحب "ولدت هناك.. ولدت هنا" و"رأيت رام الله" وأكثر من 12 مجموعة شعرية، عن هواجسه ونظرته الشعرية والحياتية الراهنة، ويفتح  العديد من الموضوعات عن الشعر وفلسطين والحياة.

بين "دير غسانة" مسقط رأسك قرب رام الله والقاهرة حيث تقيم منذ سنوات رحلة طويلة ممتدة من الشعر والحياة، بأي الكلمات يمكنك أن تصف هذه الرحلة اليوم؟

- للفلسطينيين جميعا رحلة واحدة ولكل فلسطيني رحلته التي لا تشبه سواها، فمنذ اغتصاب وطننا أصبحت الجغرافيا مانحة للألم وأصبح التاريخ مانحا للأمل،  وبين الألم والأمل سارت أعمارنا وما تزال تسير نحو اكتشاف قدراتنا ونحو اعترافنا بثقتنا في الذات الجماعية لشعبنا الصابر، وعدم السماح للسياسيين بتهديدها.

أخذت على نفسي أن لا أكون رجل الموضوع الواحد، لم أتجنب القصيدة القادمة من جهة السياسة لكني حاولت أن أكتبها دون الوقوع في "التبسيط" و"التسطيح"
طفولتنا شكلتها النكبة وشبابنا شكلته النكسة وكهولتنا تشكلها الآن قوة الشارع العربي بدءًا من تونس ومصر، ووصولا إلى ما لا يخطر ببالك من العواصم. صحيح أن آلات مصنع الألم لم تتوقف عن العمل في حياتنا لكن الصحيح أيضا أن آلات مصنع الأمل بدأت تدور.

على الصعيد الشخصي عشت رحلتي بحلوها ومرها دون أن تفارقني الفكرة التالية: إن نصيبي من المتاعب والآلام يظل بسيطا جدا مقارنة بمتاعب أبناء وبنات الشعب الفلسطيني وآلامهم. يجب أن لا نترك أنفسنا للتنافس في الخسران بل علينا أن نتنافس في الأمل.

في رحلة العمر هذه حاولت بكل قوتي أن أحافظ على حقي في أن أجعل رأيي علنيا ومعروفا، وأن أحتفظ بعقلي النقديّ وأن أحافظ على البعد اللائق بالكاتب عن السلطان في كل بلد عشت فيه، بما في ذلك البعد عن السلطان الفلسطيني مهما كان ذلك مكلفا، ومهما سبب لي ما يظنه أصدقائي خسارات وأنا لا أراها كذلك. إن استقلال الكاتب وصوته النقدي هما شرفه الباقي بعد مسح غبار زجاج التاريخ.

اليوم ونحن نشهد ولادة ثورات عربية، وكذلك موت وإجهاض ثورات عربية أخرى، كيف تنظر إلى مسألة الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة والعراقيل التي تكتنف هذا الاعتراف؟

- اتفاقية أوسلو بالنسبة لشعبنا الفلسطيني تشبه "جثة في البيت" كان ينبغي إخراجها ودفنها وقد تأخر ذلك كثيرا.

ستبين الأيام والأسابيع القليلة القادمة ما إذا كانت هذه الخطوة إهالة للتراب على أوسلو أم لا، وساعتها سينجلي إن كانت تعني السير في طرق جديدة لاستقلال البلاد أم مخرجا سياسيا لأزمة السلطة.

يوجد تخصصات في الشعر، ولا توجد خانات جاهزة لحشر الكتابة والكتّاب إلا في ذهن نقاد الصحف
المؤكد أن هناك تأييدا واضحا في الضفة لخطوة الرئيس، وأن الناس تنتظر تبلور النهج البديل عن التفاوض، ويسيء الكثير من الإعلاميين والسياسيين في رام الله وبعض الأفراد إلى الحقيقة بتجاهلهم المتعمد للفرق بين تأييد الشعب الفلسطيني للخروج من مسرحية التفاوض البذيئة وتصوير الأمر وكأنه مبايعة أبدية وتأليه لرئيس السلطة. حاشية الرئيس تريد أن تصنع منه صنما في زمن سقوط الأصنام.

آخر مجموعاتك الشعرية "منتصف الليل" صدرت في العام 2005، وكانت عبارة عن قصيدة طويلة، بدا فيها محاولاتك الشعرية الدؤوب لتقديم كشف حساب شعري مع الذات، إلى أي مدى يمكن للشعر أن يعالج كسور الروح؟

- أعترض أولا على "كسور الروح" هذه، لأني ضد ربط الشعر بالكآبة والانكسار والخسران وهذا الربط للأسف شائع في نصوص كثيرة في العالم العربي. المناديل الورقية تمسح الدموع، الشعر لا يفعل هذا، وليس من مهامه أن يفعل.

هناك النص الساخر والفلسفي والمبتهج واالغاضب والحزين والمتأمل والمتسائل والمتشائل، وهذه الإيقاعات كلها تصلح للشعر لكن الكثيرين للأسف اكتفوا بقصيدة "شكوى الزمان" وهذا إفقار لفن جميل يتسع للحياة بكل ما فيها.

ديوان "منتصف الليل" هو عبارة عن قصيدة واحدة طويلة يسترجع بطلها مكونات حياته كلها. هذا أتاح لي أن أكتشف خيالات متنوعة بلا حدود، إنه سيرة عادية لجسد وروح وحواس خمس، وانتباه حاد للحياة.

الشعر لا يعالج "كسور الروح" لكن متعة الشعر ناجمة عن قيامنا بعملية الكتابة ذاتها، وهي تشبه متعة كل عمل نقوم به لأننا نحبه، ليس بسبب الواجب أو الاضطرار، وهذه هي مكافأة الشعر لصاحبه. 

"مَباهِجُها... لكَ أنتْ / وأَوْجاعُها... إلى النِّسْيانْ" أحد أبيات مجموعتك الأخيرة "منتصف الليل"، كيف استطعت أن تخرج من مأزقين كبيرين اكتنفا الشعرية الفلسطينية طوال تاريخها، الخطابية وما سمي بـ"شعر المقاومة"؟

اتفاقية أوسلو بالنسبة لشعبنا الفلسطيني تشبه "جثة في البيت" كان ينبغي إخراجها ودفنها وقد تأخر ذلك كثيرا
- أخذت على نفسي أن لا أكون رجل الموضوع الواحد. لم أتجنب القصيدة القادمة من جهة السياسة لكنى حاولت أن أكتبها دون الوقوع في ما يسقِط كل كتابة وهو "التبسيط" و"التسطيح". وكما يعلم معظمنا، لكل ظاهرة في الحياة جانبان الأول ظاهر سطحي والثاني خفيّ وعميق، وهذا الثاني هو مبرر الشعر، فالظاهر السطحي لا يحتاج إلى الفن ليتجلى، بينما الفن وحده يجس بأصابعه الخفيّ والعميق وهذا ينطبق على المسرح والسينما والرواية والقصة القصيرة والفن التشكيلي والموسيقى.

ولماذا لم نر جديدا لك منذ  صدور "منتصف الليل"؟

- بعد "منتصف الليل" انشغلت بكتابة عملي النثري الثاني الذي صدر قبل عامين عن دار رياض الريس في بيروت وصدرت منه طبعة ثانية مؤخرا، وانشغلت بعد ذلك بمراجعة ترجمته إلى الإنجليزية التي قام بها همفري ديفيز، وستصدر منه الشهر القادم طبعتان واحدة للتوزيع في الشرق الأوسط عن دار النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة، والثانية عن دار بلومزبري في لندن حيث سيتم إطلاقه في احتفال لتوقيعه تعده دار النشر في كوين إليزابيث هول في العاصمة البريطانية (ألف مقعد) أوائل نوفمبر القادم. كما سيقام حفلان آخران لتوقيعه في جامعة أكسفورد وفي مدينة بريستول.

لم تتوقف قصيدتك عند قالب بعينه، ولا عند أسلوب معين، ظللت تنهل من منابع التجريب والأشكال الشعرية بشكل جعل تصنيفك في الحركة الشعرية العربية والفلسطينية صعبا، إلى أي مدى تؤمن اليوم بفكرة التصنيف والمجايلة؟

الشعر لا يعالج "كسور الروح" لكن متعة الشعر ناجمة عن قيامنا بعملية الكتابة ذاتها، وهي تشبه متعة كل عمل نقوم به لأننا نحبه

- التصنيف ووضع الملصقات عمل الناقد الكسول. لا يوجد تخصصات في الشعر ولا توجد خانات جاهزة لحشر الكتابة والكتّاب إلا في ذهن نقاد الصحف. الناقد الجاد يدخل على النص الفني كأنه لم يقرأ لصاحبه من قبل ويسلم نفسه لمحاولة الكاتب ثم يبدأ بمقارنتها بسابق أعماله أو بأعمال الآخرين لوضع عمله في السياق العام.

أما فكرة تقسيم الشعراء إلى أجيال فهي أكثر سخفا من فكرة التصنيف. هناك من يتوهمون أن حساسية شعرية جديدة تولد كل عشر سنوات مثلا، أو أن هناك مدارس شعرية يمكن تحديدها حسب شهادة الميلاد. أنطون تشيخوف الذي مات عام 1904 مجدد في فن القصة القصيرة أكثر من آلاف يكتبون قصصهم هذا الصباح.

قلت من قبل "سَمِعنا عن العلاج بالأعشاب، وعن العلاج بالإبر الصينية، لكننا لم نسمعْ عن العلاج بإرسال "الخواطر" إلى دور النشر لتصبح دواوين شعرية!"، هل مازلت ترى أن كثيرا مما يكتب اليوم من شعر يقع تحت يافطة الخواطر الشعرية؟

- يخلط البعض بين ما هو "كلام حلو" وما هو شعر. الكلمات التي يغطيها العسل لا يبقى منها في النهاية إلا الدبق، "الشعر يا عمي مش كلام حلو". كل مراهقة وكل مراهق يستطيع كتابة بعض الخواطر أو التغني بالأوطان أو بالشهداء، لكن الشعر الحقيقي هو تعميق المعنى لا غيابه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة