من كان إلى قرطاج.. مسافة فيلم   
الاثنين 29/7/1436 هـ - الموافق 18/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:52 (مكة المكرمة)، 14:52 (غرينتش)

الصحبي العلاني-تونس

بحساب المسافات، فإن أكثر من ألف كيلومتر تفصل بين مدينة كان الفرنسية المنغمسة طيلة هذا الأسبوع في وقائع مهرجانها السينمائي العريق، وضاحية قرطاج الواقعة على مشارف العاصمة التونسية، والتي اشتهرت منذ سنة 1966 بأيامها المهداة للفن السابع في العالم العربي وفي أفريقيا.

ولكن حدثا فريدا غير مسبوق جعل المسافة بين كان وقرطاج تتقلص إلى درجة الإمحاء، ويعود الفضل في ذلك إلى الشريط السينمائي الأسترالي الأميركي "ماكس المجنون: طريق الغضب" (Mad Max: Fury Road) للمخرج جورج ميلر، شريط أعفى عشاق السينما الموسِرين في تونس من مؤونة التنقل إلى فرنسا لمتابعة آخر إنتاجات الفن السابع، وخفف على الفقراء منهم -وما أكثرهم- وطأة الانتظار.

سينما بطعم المسلسلات!
بمقاييس السينما العالمية، يندرج فيلم "ماكس المجنون" ضمن طائفة الأشرطة التي نجحت في استقطاب الجمهور، وفي شد انتباهه بتسلسل أحداثها وتتالي أجزائها وتعاقب أرقامها.

شريط "ماكس المجنون" يظل استثناء حقيقيا مقارنة بسابقيه. إنه حكاية داخل الحكاية، وهو الذي نجح في العودة من بعيد بعدما ظن الكثيرون أنه أبدا لن يعود!

ولعل أهم ما يميز هذه الأشرطة هو أن نسقها الإنتاجي قريب من المسلسلات التلفزيونية، ولكن حفظ المقامات بين السينما والتلفزيون يقتضي منا أن نُلِح على أنها تظل في روحها وفي جوهرها البنت الشرعية الوحيدة للفن السابع، لا يُنازعها في ذلك أي فن سواه حتى لو أثبتت فحوص الحمض النووي (دي إن آي) أنها سليلة الرواية أو كتب الرسوم المتسلسلة.

ويكفينا في هذا المقام أن نُذكر بفيلم "العراب" لـ فرنسيس فورد كوبولا (ثلاثة أقسام) وبشريط "سيد الخواتم" لـ بيتر جاكسون (ثلاثة أقسام)، وبشريط "هاري بوتر" لـ كريس كولومبوس (ثمانية أقسام) دون أن ننسى طبعا سلسلة الأشرطة الأشهر، ونعني بذلك أفلام جيمس بوند التي تداول على إخراجها وعلى بطولتها عدد لا حصر له من أعلام الشاشة الكبيرة.

ومع ذلك، فإن شريط "ماكس المجنون" يظل استثناء حقيقيا مقارنة بسابقيه. إنه حكاية داخل الحكاية، وهو الذي نجح في العودة من بعيد بعدما ظن الكثيرون أنه أبدا لن يعود!

ما أحلى الرجوع إليه!
كانت ضربة البداية سنة 1979 -أي منذ أكثر من 35 عاما- عندما وضع المخرج الأسترالي جورج ميلر على الشاشة الكبيرة حكاية هي مزيج من الخيال العلمي والفنتازيا المستقبلية، حكاية اختار أن يبني أسلوبها السرد-سينمائي على شاكلة أفلام الـ وستيرن حيث ملامح الشخصيات التي ترمز إلى الخير واضحة، وملامح الشخصيات الشريرة أكثر وضوحا.

الممثل ميل غيبسون أثناء حضوره عرض فيلم "ماد ماكس" الجديد (أسوشيتد برس)

وبتأثير من الأزمة التي عصفت سنة 1973 باقتصاديات الدول الغربية على إثر الحظر الذي مارسته الدول العربية، جعل جورج ميلر البترول محور الصراع الدرامي.. صراع سعى فيه الشرطي البطل ماكس روكتانسكي إلى إعادة هيبة النظام وسط مجتمع منفلت أضاع تماما قِيَمَهُ وفقد توازنه.

كان المخرج الأسترالي جورج ميلر محظوظا تماما، لا لأنه دغدغ مخاوف المشاهدين الغربيين من مستقبل دون نفط كانوا يرونه مظلما، ولا لأنه اهتدى إلى التوليفة السحرية بين أسلوب سينما الـ وستيرن (التي تعود بالمشاهدين إلى أمجاد الماضي الاستعماري) وسينما الخيال العلمي (التي ترمي بهم في نعيم التطور التقني وجحيمه) بل لأنه عثر على الأيقونة التي يحلم بها كل مخرج.. أيقونة اسمها ميل غيبسون الممثل الذي سيكون له شأن وأي شأن، لا في أستراليا مهد شريط "ماكس المجنون"، وحدها، بل في هوليود سينما العالم.

وأمام النجاح منقطع النظير الذي حققه شريط "ماكس المجنون" في قسمه الأول سنة 1979، تتالت بقية أقسامه في ظرف زماني وجيز، فأخرج جورج ميلر النسخة الثانية عامَيْن فقط بعد النسخة الأولى (1981) فالنسخة الثالثة في ظرف أربعة أعوام (1985) ثم استسلم تماما إلى الصمت والانتظار. صمت تواصل على امتداد ثلاثين عاما، ولكن الخلطة السحرية التي خلقت مجد الشريط/الملحمة لم تفقد فعاليتها. فها هو المخرج جورج ميلر يعود متسلحا بأدواتٍ أكثر ضراوة.

صحيح أنه فَقَدَ رفيق دربه الأول ميل غيبسون الذي استحوذت عليه آلة الإنتاج الهوليودية، ولكنه نجح في اتخاذ رفيق درب جديد للقسم الرابع من نفس الشريط، ويتعلق الأمر بالبريطاني توم هاردي.. وحتى إن لم يكن رفيق الدرب الجديد في مثل براعة ميل غيبسون فمما لا شك فيه أن التطور التقني المهول الذي طرأ على صناعة السينما يبيح لجورج ميلر أن يُعلن عن عودته إلى شريطه الأول.. وما أحلى الرجوع إليه!

الأنظار مشدودة صوب مهرجان كان السينمائي بفرنسا (الأوروبية)

مسافة حلم!
في ضاحية قرطاج، وتحديدا في مدخل مجمع "سيني دار" الذي يضم قاعة سينما ورواقا للفنون التشكيلية ومشربا يلتقي فيه عشاق الفنون، وتحت سماء رمادية أقرب إلى السواد لم ينقطع فيها المطر عن الهطول على غير العادة في مثل هذا التوقيت من شهر مايو/أيار، خصت السيدة خولة زايد الجزيرة نت بحديث أشارت فيه إلى أن مؤسسة "سيني دار" أقدمت على عمل أقرب ما يكون إلى المجازفة والمخاطرة عندما قامت ببرمجة عرض شريط "ماكس المجنون: طريق الغضب" في نسخته الجديدة.

وعندما سألناها عن سبب إقدام "سيني دار" على مثل هذا العمل، بيَّنت أن "المؤسسات الثقافية الخاصة في تونس مدعوةٌ إلى المجازفة حتى تضمن لنفسها إمكانية الحياة ومواصلة الدور الذي تؤمن بضرورة القيام به".

في مدخل فضاء "سيني دار" وفي بهوه، التقت الجزيرة نت بجمهور غفير كان أغلبه حريصا على الحصول على نظارات تتيح له متابعة شريط "ماكس المجنون" في أبعاده الثلاثة.. نظارات لا شك في أنها ستختزل مسافة الحلم بين مدينة "كان" حيث يجري عرض الشريط خارج المسابقة الرسمية للمهرجان، وضاحية قرطاج التي استطاعت من خلال فضاء "سيني دار" أن تجعل السينما قريبة إلى عشاقها.

ومن بين جميع من سألتهم الجزيرة نت، لم تجد شخصا واحدا يجيبها عن تاريخ الشريط وعن أصوله التي تعود إلى أواخر السبعينيات، فالجميع مأخوذٌ بالنظارات ذات الأبعاد الثلاثة.. الجميع مأخوذٌ باللحظة الآنية الراهنة.. لحظة تنتفي فيها الحدود بين كان وقرطاج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة