قومية سالار الصينية تحتفظ بمصحف عمره 800 عام   
الثلاثاء 27/9/1428 هـ - الموافق 9/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 5:52 (مكة المكرمة)، 2:52 (غرينتش)

الإمام شمس الدين يفتح المصحف الشريف (الجزيرة نت)

عزت شحرور - بكين

قومية سالار هي أصغر الأقليات المسلمة العشر في الصين، إذ لا يتجاوز تعدادها مئة ألف نسمة يقطنون في مقاطعة تشين خاي شمال غرب الصين، وتتمتع بلدتهم شونخوا بالحكم الذاتي.

الحاج عبد الله، وجه يفيض نقاء ووقارا من تحت عمامة بيضاء تحيط برأسه وتتدلى على كتفه، يحرص على أداء فروضه وواجباته الدينية بانتظام، مما أكسبه ثقة واحترام أبناء قريته فألقوا على عاتقه مسؤولية جسيمة، إذ اختير ليكون الحارس الأمين لأعز وأثمن ما تملكه قومية سالار.

يقال إن هذا المصحف أحد سبع نسخ خطت في عهد الخليفة عثمان (الجزيرة نت)
الكنز المكنون

في الدور الثاني من ركن مجاور لمسجد غايزى التاريخي، ثمة غرفة لا يبارحها عبد الله وبجوارها غرفة أخرى بباب موصد بقفل حديدي ثقيل.

وعبد الله نفسه غير مصرح له بفتحها فالمفتاح في جيب رجل آخر. والرجلان معا يحتاجان إلى ثالث يملك مفتاح صندوق حديدي ضخم يتوسط الغرفة، أما الرقم السري للصندوق فهو بحوزة الإمام شمس الدين إمام المسجد.

وعثاء السفر ووحشة الطريق الطويل الذي قطعناه للوصول إلى القرية شفعت لنا على مايبدو، وتمكنا بعد جهد من جمع الرجال الأربعة لإلقاء نظرة على الكنز.

الإمام شمس الدين أخرج صندوقا خشبيا يبدو قديما من داخل صندوق حديدي وحمله بوقار بعد أن سمى بالله العلي العظيم.

يممنا جميعا شطر المسجد، ووسط حلقة من علية القوم فتح الإمام شمس الدين الصندوق ليظهر بداخله غلاف جلدي تعلوه بعض الرسوم وبين دفتيه كتاب أحكمت آياته تنزيل من العزيز الحكيم.

نسخة من المصحف الشريف تضم ثلاثين جزءا خطت باليد على رقاع من أحشاء الإبل هي الأقدم من نوعها هنا، إذ يعود تاريخ وجودها في الصين إلى أكثر من ثمانية قرون.

ويقال إنها إحدى سبع نسخ خطت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذلك قبل التنقيط والترقيم، لكن أحد أئمة قومية سالار تطوع بتنقيطها وترقيمها، مما أفقدها بعضا من قيمتها التاريخية على الرغم من أن إضافة التنقيط والترقيم تبدو واضحة.

الإمام شمس الدين يقول لنا بعربية لا تخلو من لكنة صينية "صحيح أن قومية سالار لا تمتلك لغة مكتوبة، لكن الله حبانا وخصنا من بين القوميات الصينية العشر، كما حبا قريشا من بين القبائل العربية ووهبنا هذا الكتاب، إنه روحنا وسنحافظ عليه بأهداب عيوننا".

خبير صيني يقوم بترميم المصحف (الجزيرة نت)
ترميم جبري

الزمن ترك بصماته على صفحات المصحف، وكثرة الاستخدام جعلته بحاجة ماسة إلى الترميم، ما دعا الحكومة الصينية لانتداب خبير آثار من جامعة نانجين برفقة مساعدين له للقيام بعملية الترميم.

لكن أبناء قرية شونخوا أبوا إلا أن يتم الترميم في عقر دارهم وتحت ناظرهم، فخصصوا للخبير ومساعديه أفخم بيوت القرية التي تعود لأكبر تجارها، وسيعمل الخبير ومساعداه في ذلك المنزل الفخم لمدة شهر كامل في ظل ظروف أشبه بإقامة جبرية.

أبناء قرية شونخوا معذورون في اتباع هذه الاحتياطات الأمنية المشددة لحماية كتابهم الوحيد، فهم قد عانوا الأمرين وبذلوا جهودا مضنية على مدى ثلاثين عاما لاستعادته من المتحف التاريخي في العاصمة الصينية بكين.

وها هم الآن قد انتهوا من تشييد مسجد غاية في الروعة والجمال، بلغت تكلفته نحو ثلاثة ملايين دولار جمعها أبناء القرية من حر مالهم رافضين قبول أي تبرعات من خارج القرية.

وسيضم المسجد جناحا خاصا لعرض تراث قومية سالار وقاعة لعرض المصحف الشريف على العامة، ويتوقع أن يجري افتتاحه الرسمي مع نهاية العام الحالي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة