سوهارتو.. متهم أنقذه المرض والموت من المحاكمة   
الثلاثاء 1429/1/22 هـ - الموافق 29/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 11:29 (مكة المكرمة)، 8:29 (غرينتش)

سوهارتو تكاثرت عليه الأمراض لكنها أنقذته من تهم كثيرة (رويترز)


محمد أعماري


"الصحة تاج على رؤوس الأصحاء" مثل تتناقله الأجيال، لكن الأحداث عكسته في حياة الرئيس الإندونيسي الراحل محمد سوهارتو الذي يصح عليه القول إن المرض هو الذي كان تاجا على رأسه وأنقذ يديه من الأصفاد قبل الموت.

انتصب محامون كثيرون للدفاع عن سوهارتو في ظل تهم ثقيلة بالفساد والاختلاس، لكن المحامي الحقيقي الذي منع عنه الوقوف في قفص الاتهام هو مرضه الذي لازمه سنوات حتى أسلم الروح الأحد في مستشفى بالعاصمة جاكرتا.

انهيار كامل
عانى سوهارتو من فقر الدم وانخفاض في الضغط الشرياني وتعقيدات ناجمة عن قصور في عمل القلب وفشل في العديد من أجهزة جسمه، هكذا شخّص الأطباء حالة سوهارتو، لكنها حالة خفضت عنه ضغط المنادين بمحاكمته ووقتْه من تعقيدات المسالك القانونية وردهات المحاكم.

أطاحت به مظاهرات الطلاب في جاكرتا عام 1998 بعد دخول البلاد في أزمة اقتصادية خانقة هدمت كل ما بناه "باء هارتو" -أي "السيد هارتو" كما كان يسمى- في ثلاثة عقود حوّل فيها إندونيسيا إلى دولة صناعية.

ومنذ الإطاحة به تعالت أصوات عدة مطالبة بمحاسبته على ما تقول إنها جرائم فساد مالي، وتدعو لمساءلته عن مصدر ثروته التي قدرتها منظمة الشفافية الدولية بما يتراوح بين 15 و35 مليار دولار، أي ما يصل إلى 1.3% من إجمالي الناتج المحلي في هذا البلد الذي أعاد انتخابه لرئاسته سبع مرات.

بل ذهب بعض المناهضين لسوهارتو إلى القول إنه هو وأسرته جمعوا 45 مليار دولار من رشى وصفقات أهديت لهم واستغلوا النفوذ السياسي للرئيس سبيلا للفوز بعقودها.

مدافع شرس
عرفت عنه شراسته كلما تمت مساءلة أقاربه عن أعمالهم التجارية. وحتى من يدافعون عنه ويرفضون التهم الموجهة إليه ويقولون إن يده نظيفة، يعيبون عليه ما يرونه تغاضيا عن "إساءة" أقاربه استغلال علاقاتهم به للفوز بعقود مربحة وصفقات مريبة.

وقد قدرت مجلة تايم الأميركية ثروته بحوالي 15 مليار دولار أميركي، وقيمة ما امتلكته أسرته في 32 سنة من حكمه حوالي 73 مليار دولار.

نبْش المجلة الأميركية في ثروات الرئيس الإندونيسي السابق كلفها حكما قضائيا بدفع تعويض قدره 128 مليون دولار لسوهارتو بعد أن وضعته على غلاف أحد أعدادها عام 1999 متهمة إياه باختلاس مبالغ كبيرة، وهو الحكم الذي رفضت المحكمة العليا في إندونيسيا تنفيذه سنة 2007.

هكذا رحل سوهارتو ورحلت معه تهم لازمته مدة طويلة وخلف تركة ثقيلة لورثته، ورغم ذلك فقد خلف أيضا في نفوس بعض الإندونيسيين حنينا إلى عهده الذي تمكنت فيه رابع أكبر دولة في العالم وأكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان من تلبية احتياجاتها من الأرز، وشهدت صادراتها ارتفاعا كبيرا حتى لقبه بعضهم آنذاك بـ"أبي التنمية".

لقب لم يمنع أيضا معارضيه ومنتقديه من القول إن هذه التنمية والاستقرار لم يدوما طويلا ومرا على أجساد وحقوق الملايين من الإندونيسيين، خصوصا أن سوهارتو لعب دورا رئيسيا في سحق محاولة انقلاب نسبت للشيوعيين عام 1965 وأحكم قبضته الحديدية على البلاد ولو بقتل نصف مليون شيوعي، حسب ما يقول المعارضون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة