جيمس جويس.. سيرة جديدة   
الخميس 29/8/1433 هـ - الموافق 19/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:54 (مكة المكرمة)، 11:54 (غرينتش)
أمجد ناصر
 
إذا كان يصحّ على المتنبي عندنا قول "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، فهو يصحّ أكثر على الشاعر والروائي الإيرلندي جيمس جويس، وأسباب "انشغال الدنيا" بالرجلين تبدو مختلفة في أوجه ومؤتلفة في أخرى.

انشغالنا بالمتنبي يتعلق على الأرجح، بالهوية القومية ومرجعيته اللغوية والشعرية، فيما ليس لدى العالم الناطق بالإنجليزية خصوصا والمتعدد القوميات، انشغال بهوية قومية. ولا يعبر أدب جويس عن هوية من هذا النوع، حتى في بلاده إيرلندا التي كانت الأكثر انشغالاً بسؤال الهوية من سائر البلدان الأوروبية نظرا لوقوعها في قبضة الاستعمار البريطاني (الإنجليزي).

فجويس كتب بالإنجليزية وليس باللغة الإيرلندية (غيليك) شبه المنقرضة، فجدّد في لغة شكسبير ووسع إطارها مفردات ومعاني، ولم يخض في المعركة الثقافية التي قام بها كتاب إيرلنديون ضد الاستعمار البريطاني، بل يمكن القول إنه رفض الكاثوليكية، أحد أبرز مكونات "الهوية" الإيرلندية، ولم يعد لزيارة بلاده مذ غادرها قط واحتفظ بجواز سفره البريطاني حتى مماته.

لكنّ هذا لا يمنع أن يشكل اسم جويس وتراثه الأدبي مصدرا للفخر القومي الإيرلندي، باعتبار صاحب "يوليسس" إيرلندي الأصل والنشأة، فضلا عن الحضور الطاغي لمدينة دبلن -عاصمة إيرلندا- في أدبه إلى درجة أن أحد أعماله يدعى "أهل دبلن".

وعندما نقول إن جيمس جويس "مالئ الدنيا وشاغل الناس" فذلك لأن هناك، دائما، جديدا حوله سواء تعلق الأمر بدراسات وكتب أو بمحاضرات واحتفالات، آخرها الموعد السنوي الاحتفائي المسمَّى "بلومزداي" الذي يصادف يوم  16 يونيو/حزيران، وهو اليوم الذي تجري فيه -كما هو معروف-أحداث روايته الأشهر "يوليسس" (أو عوليس حسب ترجمة طه محمود طه إلى العربية).

عندما نقول إن جيمس جويس "مالئ الدنيا وشاغل الناس" فذلك لأن هناك، دائما، جديدا حوله، سواء تعلق الأمر بدراسات وكتب أو بمحاضرات واحتفالات، آخرها الموعد السنوي الاحتفائي المسمَّى "بلومزداي" الذي يصادف يوم 16 يونيو/حزيران

بدأ الاحتفال بهذا اليوم عام 1954 -وهو يأخذ اسمه، لمن لا يعرف الرواية، من اسم شخصيتها الرئيسية ليوبولد بلوم- بعدما توافق محبّو أدبه على جعله يوما عالميا لصاحب "صورة الفنان شاباً"  تُقرأ فيه، على مدار يوم كامل، روايته "يوليسس"، أو تُمَسرح، أو يتحدَّث نقاد وأدباء عن حياته وأعماله في مدن عدة مذكورة في "يوليسس" في مقدمتها -بالتأكيد- مدينة دبلن، إضافة إلى أمكنة أخرى في العالم ينتشر فيها الإيرلنديون (أميركا وأستراليا) فضلاً عن مدينة تريست الإيطالية التي أقام فيها جويس فترة من حياته وكتب هناك الفصل الأول من "يوليسس".

غير أن أغرب احتفال بـ"بلومزداي"، هو الذي يجري في بلدة هنغارية تمثل مسقط رأس والد الشخصية الروائية الرئيسية ليوبولد بلوم! وبما أنني بدأت بعقد مقارنة بين المتنبي وجيمس جويس سأنهي المقارنة هنا بالقول إن الرجلين كانا واثقين، على نحو مفرط وحقيقيّ في آن، بانشغال "الناس" بهما بعد رحيلهما. كلنا نذكر قول المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرَّاها ويختصمُ!
أو قوله:
وما الدهر إلاّ من رواة قصائدي
إذا قلتُ شعراً أصبح الدهر منشدا!

أما جيمس جويس فقد صرح في حديث صحافي أدلى به في أواخر حياته القصيرة نسبياً (1882-1941) بأنه ترك في روايته (يوليسس) ألغازا وأسرارا ستشغل الأساتذة (النقاد والأكاديميين على الأغلب) مئات من السنين، وهذه هي الطريقة الوحيدة لضمان الخلود!!

تبدو في كلام جويس، الذي لم يتحدّث عن انشغال عموم الناس بروايته وإنما طائفة معينة منهم، رنة ساخرة واضحة، غير أنَّه لا يزال صحيحا بعد تسعين عاما على نشر الرواية كاملة، في باريس عام 1922.

***
إذن مائة وثلاثون عاما مرّت على ولادة جيمس جويس، وتسعون عاما على نشر "يوليسس" التي مُنعت فور صدورها في أميركا، ورُفعت ضدها قضايا في المحاكم في أكثر من بلد أوروبي لما تتضمنه من "فحش".

تأتي سيرة جويس بقلم باوكر بعد نحو خمسين عاما على صدور ما اعتبر حينها أفضل سيرة لهذا الكاتب الإيرلندي الأصل والنشأة، الكوزموبوليتي الحياة والنزعة، وضعها الأستاذ الجامعي البريطاني ريتشادر إلمان

وكما يبدو لنا، مما سبق، أن جويس لا يحتاج مناسبة ليجري تذكره، فهناك دائما جديد ما بخصوص حياته وأدبه. قد لا يكون الجديد كشفا عن مناطق مجهولة، تماما، في حياة هذا الكاتب ومعاني كتابته ورموزها بعد بضع سير وضعت عن حياته وعشرات الكتب ومئات الدراسات التي تناولت أعماله، بل لعله ينحو نحو التوسّع في تفاصيل معينة ويعيد قراءة ما بدا مسلما به في قراءات سابقة.

وفي ذكرى مائة وثلاثين عاما على ولادته صدرت سيرة جديدة بقلم كاتب السير البريطاني غوردن باوكر، الذي سبق أن قدّم سيرتين مهمتين لجورج أرويل صاحب رواية "1984" ذائعة الصيت، ولورنس داريل مؤلف أشهر رباعية في تاريخ الرواية العالمية "رباعية الإسكندرية".

تأتي سيرة جويس بقلم باوكر بعد نحو خمسين عاما على صدور ما اعتبر حينها أفضل سيرة لهذا الكاتب الإيرلندي الأصل والنشأة، الكوزموبوليتي الحياة والنزعة، وضعها الأستاذ الجامعي البريطاني ريتشادر إلمان.

ويبدو أن أي سيرة جديدة تتناول حياة وأعمال جويس ستكون أمام تحدي الجدة وإثارة شغف القراء (محبيِّه تحديداً) الذين يكادون يعرفون، من جويس نفسه، الكثير عن حياته وأفكاره ورؤاه سواء في روايته "صورة الفنان شاباً"، التي يعتبرها النقاد أقرب أعماله الروائية من حياته الحقيقية، أم في "يوليسس"، التي يتراءى شبح جويس في شخوصها وحواراتهم وحركتهم في شوارع دبلن.

قد يأتي وقت لن يكون هناك جديد يضاف إلى ما يعرفه قراء سيرة جويس عن حياة كاتبهم، لكن ستظل هناك، على الأرجح، عودات متكررة إلى أعماله وإضاءتها من زوايا مختلفة، وخصوصا روايته الضخمة "يوليسس".

***
تتخذ الرواية، كما هو واضح، من شخصية يوليسس بطل ملحمة الشاعر اليوناني هوميروس عنوانا لها، من غير أن يكون شخصية رئيسية أو فرعية فيها. لا وجود في الواقع ليوليسس هوميروس، ولا للأوديسة بالمعنى الذي نعرفه، أي بوصفها رحلة طويلة، شاقة، تتخللها أهوال تعترض "البطل" في طريق عودته إلى الديار.

تتخذ رواية "يوليسس" كما هو واضح، من شخصية يوليسس بطل ملحمة الشاعر اليوناني هوميروس عنوانا لها، من غير أن يكون شخصية رئيسية أو فرعية فيها

فقد صار لفظ "الأوديسة" تعبيرا عن رحلة كهذه بصرف النظر عمن يقوم بها، والحال أن ليس هناك أهوال من أي نوع في رواية جويس ولا شخصيات خارقة، كما هي في ملحمة هوميروس، بيد أن عنوان جويس ليس بلا دلالة. ثمة تناظر مقصود يقيمه الكاتب الإيرلندي مع الهيكل العام لـ"الأوديسة"، فـ"يوليسس" جويس تنقسم إلى ثمانية عشر فصلاً على هدي "الأوديسة".

في "يوليسس" هناك ثلاث شخصيات رئيسية هي "ليوبولد بلوم"، "مولي بلوم" و"ستيفن ديدالوس"، فيما يمكن لنا أن نعتبر أن الشخصيات الأبرز في "الأوديسة" هي "يوليسس"، "بنلوبي" (الزوجة)، و"تليماخوس" (الابن). ولكن على خلاف "الأوديسة"، التي تجري أحداثها في عشر سنين هي أعوام تيه يوليسس ومحاولاته اليائسة للعودة إلى "إيثاكا"، فإن أحداث رواية "يوليسس" تجري في يوم واحد، هو أطول يوم في تاريخ الرواية العالمية، كما صار يوصف السادس عشر من يونيو/حزيران عام 1904.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الذي يميز ذلك اليوم، كي يختاره جويس إطارا زمنياً لروايته؟
لا شيء في الواقع يميز ذلك اليوم. الرواية نفسها لا تقدم لنا أحداثا خارقة أو غير مألوفة جرت في ذلك اليوم الطويل من الحركة والثرثرة والمصادفات اليومية المعتادة. الدلالة الوحيدة لاختيار جويس ليوم 16  يونيو/حزيران عام 1904 تأتي من خارج الرواية: سيرته. هنا تمدّ لنا السيرة يد العون: ففي ذلك اليوم طلب جيمس جويس من "نورا"، الفتاة التي ستصبح زوجته فيما بعد، الخروج معه للمرة الأولى! يقدم لنا كتاب السيرة إضاءات شخصية عديدة من هذا النوع، تساعد على معرفة جوانب من روايته هذه، وكتاباته عموما، فلم تكن حياة جويس الخاصة بعيدة تماما عن كتابته.

وبالعودة إلى العلاقة بين "الأوديسة" و"يوليسس"، يمكن القول إن جويس مزج اليومي بالمتخيل والتفصيلي بالثقافي والفكري، بحيث يبدو لنا أن اليوميّ لا يقلُّ جدارة -أدبيا- عن الملحميّ، فربَّ ملحميّ كان في وقته وأوانه يوميِّا! كأن جويس، بتركيزه على اليوميّ والتفصيليّ (فواتير، قصاصات صحف، إعلانات... إلخ) يريد أن يقول لنا إن كل يوم في حياة رجل، أو امرأة، هو أوديسة. هذا النهر المتدفق من التفاصيل اليومية بمقدوره أن يتحوَّل، بقلم سارد كبير مثل جويس، نهراً من أنهار الأسطورة.

يلمس قارئ الرواية حركة "بندولية" بين الماضي والحاضر، فمن الصعب تجاهل البروق التي تحيل إلى التاريخ (والأدبي خصوصا)، كأن جويس يضيء بهذه الحركة البندولية الماضي، فيما هو يتحدث عن الحاضر، والحاضر فيما هو يحيل إلى الماضي، الأمر الذي يدفعنا إلى الظن أنه يربط بذلك تاريخ الآداب الأوروبية منذ الإغريق، وصولاً إلى الحاضر (دبلن مطلع القرن العشرين) في سلسلة لا انقطاع فيها ولا شغور.

أخيرا.. أشير إلى أن رواية جويس هذه ترجمت إلى العربية مرتين. الأولى كاملة على يد المترجم المصري الراحل طه محمود طه، وذلك في الذكرى المئوية لميلاد جويس (1982)، والثانية يتواصل إصدارها على يد الشاعر والمترجم العراقي صلاح نيازي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة