"تغريبة العبدي".. رحلة السرد وصناعة التحقيق   
الخميس 1435/3/30 هـ - الموافق 30/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:51 (مكة المكرمة)، 9:51 (غرينتش)
غلافة رواية "تغريبة العبدي" للمغربي عبد الرحيم لحبيبي (الجزيرة)
إبراهيم الحجري
 
تعد رواية "تغريبة العبدي" الثالثة من نوعها بعد "خبز وحشيش وسمك" (2008)، و"سعد السعود" (2010) في مسار المغربي عبد الرحيم لحبيبي الذي عرف بصوته السردي الخاص في التنقيب عن العوالم الطريفة التي تعوّد الناس الاصطدام بها دون أن تثير فيهم قلق السؤال، مستثمرا تجربته في الحياة في مدينة مسكونة بالتاريخ والجمال.

انبثقت فكرة "تغريبة العبدي" بعد العثور على مخطوط من نسخة وحيدة لرحالة عبدي عاش في نهاية القرن التاسع عشر بسوق العفاريت بمدينة آسفي المغربية، رأى فيه لحبيبي كنزا معرفيا نادرا يستحق التحقيق والتداول، فبدأ رحلة البحث عن أستاذ متخصص في تحقيق المخطوطات يشرف على عمله بشكل أكاديمي بالعاصمة، لينقذ هذه الرحلة المخطوطة من التلف والضياع، ويقدمها إلى المتلقي في صورة تليق بطرافتها.

لكن توفر نسخة وحيدة في حالة سيئة، وضياع اسم صاحبها جعل الأساتذة يستخفون بالعمل ويتبرمون من الإشراف عليه لغياب المعايير الأكاديمية، مما طرح أمام لحبيبي الباحث تحديا صعبا يتمثل في القيام بتحقيقها بشكل حر بعيدا عن أعراف الجامعة.

يقدم لحبيبي للمتلقي نصا سرديا ينبني من جهة على السند التراثي، ويتأسس من جهة أخرى على رؤية جديدة لهذا التراث

قصة مخطوط
قادت صدفة التجوال في "سوق العفاريت" بآسفي -التي ولع بها الكاتب لما تحمله من سلع متنوعة وطريفة- إلى العثور على مخطوطة نادرة لرحلة حج قام بها فقيه عبدي تعذرت معرفة اسمه إما بسبب ضياع صفحات من المخطوط وإما برغبة من المؤلف في إخفاء هويته خوفا من مضايقات السلطة التي فضحها وانتقدها علانية في مخطوطته التي يبدو أنه حررها بيده.

وقد أصبح الراوي مهووسا بنص المخطوطة رغم ما أصابها من تلف ونقص، فارتباطها بمدينته آسفي وإعجابه بلغتها الجيدة، ووجود نسخة وحيدة منها ألهب حماسه من أجل تحقيقها وإخراجها إلى الحياة بعد أن كاد يعصف بها الضياع لولا أن قدرها قاده إليها لينتشلها من هاوية الضياع.

يتأبط الراوي النسخة الوحيدة من المخطوطة، ويرحل من آسفي إلى الرباط بحثا عن أستاذ متخصص يشرف على أطروحته في تحقيق مخطوط "رحلة العبدي". لكن المعايير الأكاديمية غير المتوفرة في المخطوطة، واستخفاف الأستاذ الجامعي بأمرها، أعاد الراوي إلى بلدته خائبا. لكن هذا الرفض ولّد تحديا لدى الباحث في تحقيق المخطوطة شخصيا، خارج التقاليد الأكاديمية، بفعل عشقه لها وتعلقه بمتنها.

عاد الراوي إلى المصادر التي تحدد منهجية التحقيق، وعكف على دراستها مستفيدا من الذخائر العربية في هذا الباب، ليكوّن ذاته في التخصص الذي أحبه، واستعان بالمعاجم وكتب السير والتاريخ التي تتحدث عن الفترة المعنية بأحداث المخطوط، ليغني الهوامش والحواشي، ويقدم معطيات كاملة عن بعض الظواهر التي يذكرها المخطوط عرضا.

يلملم الراوي شتات نصوص رحلية متعددة اقتفى أثرها كدليل سواء على مستوى الخطاطة السردية أو على مستوى المحطات والمراحل، ونجده يتناص أحيانا مع متن ابن بطوطة وابن جبير والقلصادي والحسن الوزان

رحلة حج
يدور متن المخطوط حول رحلة حج يقوم بها رجل "حمري" من "عبدة"، منطلقا من القرويين بفاس، حيث كان يتلقى علوم اللغة والشرع والفقه والطب، قاصدا الحجاز عبر طريق سجلماسة والصحراء الأفريقية الكبرى ومصر.

يواجه مخاطر الموت بشتى أنواعه، مقتفيا شعاعا نورانيا لامرأة غامضة، تزوره في الحلم واليقظة، لتتجسد في الطريق الجهنمي بالصحراء في صورة "الشريفة" الفاسية الأندلسية التي تقيم في "جيني" أو في صور مختلفة تقدم له الدعم، وتمنحه الخلاص في أوقات الشدة.

تستعرض الرحلة -على عادة من سبق- مشاق السفر ومصاعبه في جغرافيات مختلفة، وما يعترض القوافل من مخاطر المرض والموت وقطاع الطرق والضياع في الخلاء الرهيب للصحراء الأفريقية.

ومثلما يتسنى للرحالة رصد مشاهداته وتجربته مع الزمان والمكان والإنسان، مبينا ثقافته الكبيرة في مجال الطب حيث يتمكن من مداواة "الشريفة" من الوسواس والأرق بخلطة شعبية، وفي الفقه والشرع حيث كان في لحظة ما يؤم الناس في الصلاة ويفتيهم في بعض الأمور المستحدثة، منتقدا الأمة الإسلامية وما صارت إليه من ضعف وهوان أمام الأجنبي الذي بات يتهافت على البلاد العربية.

يلملم الراوي- الرّحالة ولد الحمرية في هذا النص- شتات نصوص رحلية متعددة اقتفى أثرها كدليل سواء على مستوى الخطاطة السردية أو على مستوى المحطات والمراحل، ونجده يتناص أحيانا مع متن ابن بطوطة وابن جبير والقلصادي والحسن الوزان، مجسدا في مخطوطه تجربته الحسية والمعرفية.

يخترع لحبيبي مؤلفا مجهولا لمخطوطة نادرة، ينتمي إلى نفس منطقته "عبدة"، ثم يسلمه مقاليد سرد رحلته إلى الحجاز مرورا ببلدان أفريقيا بلغة تراثية تشبه في كثير من مناحيها كتب الرحلات العربية الشهيرة

حيلة سرفانتيس
يلجأ لحبيبي في بناء هذه الرواية إلى حيلة سبقها إليه الروائي الإسباني سرفانتيس في رائعته "دون كيخوته"، وهي اعتماد مخطوط جاهز في بناء نص سردي.

فإذا كان سرفانتيس يزعم أنه استند في صناعة متن عملة الخالد على مخطوطة لمؤرخ مغربي اسمه "سيدي حامد بن الجيلي"، فإن الروائي لحبيبي اخترع مؤلفا مجهولا لمخطوطة نادرة، ينتمي إلى نفس منطقته "عبدة"، ثم يسلمه مقاليد سرد رحلته إلى الحجاز مرورا ببلدان أفريقيا بلغة تراثية تشبه في كثير من مناحيها كتب الرحلات العربية الشهيرة.

تصبح الرواية عبارة عن رحلتين: رحلة الراوي (لحبيبي) بحثا عمن يحقق مخطوطة عثر عليها بمحض الصدفة في سوق للسلع القديمة، ورحلة الراوي (العبدي) إلى الحجاز قاصدا العلم والحج.

وينتقل الروائي من صناعة السرد إلى صناعة التحقيق، وهو جهد مضاعف قام به الكاتب، ليقدم للمتلقي نصا سرديا ينبني من جهة على السند التراثي، ويتأسس من جهة أخرى على رؤية جديدة لهذا التراث، منتقدا نسق التفكير العلمي التقليدي الذي يطمئن إلى المعايير ليقبر تحفا من النصوص، ويطمس معالم هوية.

يستعيد النص مرحلة عصيبة من تاريخ الأمة الإسلامية، بدأ خلالها الغرب يتهافت على البلاد العربية منقبا بلغة سردية رصينة ووعي فني مقتدر عن أسرار التقهقر التي عرفتها الحضارة العربية، التي استكانت إلى الصراعات الواهية، واطمأنت إلى المحصلة التاريخية، وارتكنت إلى تلبية الشهوات من سلطان ونساء ومال.

وهو في كل هذا، جمع بين المعرفة بتاريخ المرحلة، والتشبع بمنهج التحقيق، والاطلاع على رحلات الغرب الإسلامي، ليصهر الكل في سرد منسجم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة