الروائي السوري جان دوست: الحرية عنوان ثورتنا   
الأحد 1434/9/28 هـ - الموافق 4/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:07 (مكة المكرمة)، 12:07 (غرينتش)
جان دوست نشيد الحرية وحد السوريين أثناء الثورة (الجزيرة)
حاوره هيثم حسين
 
يتنقل الروائي والمترجم السوري جان دوست في حدائق اللغات وفضاءاتها. يستقي من عبيرها لينقل عبقها إلى الآخر، لا تقتصر الترجمة عنده على "التبرّع بدم الكتابة للآخرين" -كما يقول- لأنه يترجم لنفسه أحيانا، وهو الذي ألف روايات عدة وترجم نصوصا كثيرة.

من مدينته الصغيرة "كوباني" إلى حلب ومنها إلى ألمانيا، رحلة تختصر كثيرا من الأسى والقهر، وبالتزامن مع تلك الرحلة القاسية كانت رحلته مع اللغات وفي جنانها، من الكردية إلى العربية إلى الفرنسية إلى الفارسية إلى التركية إلى الألمانية.

يرى دوست أن نشيد الحرية ونشدانها وحد السوريين في الثورة، ويتفاءل بأن سوريا المستقبل هي غير سوريا التي عاش في ظل نظامها القمعي وهجرها مكرها هربا بلغته وأفكاره. الجزيرة نت التقت الروائي السوري وكان الحوار التالي:

قمت بترجمة ملحمة "مم وزين" الكردية إلى العربية، كما ترجمتَ لنفسك رواية "ميرنامة – الشاعر والأمير"، وترجمت لغيرك من الروائيّين وآخرها "متاهة الجن" للروائي الكردي التركي حسن متّة. كيف تنظر إلى تجربة الترجمة للآخر وللذات؟

-كان أول نتاج لي هو كتاب مختارات من الشعر الكردي وصدر عام 1991 في سوريا. وترجمت ملحمة "مم وزين" إلى العربية وهي أول ترجمة كاملة لهذا النص الكردي، وصدرت في عدة طبعات منها طبعة دار الكنوز الأدبية في بيروت بمساعٍ خاصة من الفيلسوف الراحل هادي العلوي.

ترجمت كتبا كثيرة أخرى سواء من الفارسية إلى الكردية والعربية، أو من العربية إلى الكردية أو العكس. أخيرا ترجمت روايتي "ميرنامه" التي نشرتها دار كلمة في أبوظبي عام 2011.

في الحقيقة وجدت نفسي حرا وطليقا أكثر في ترجمتي لروايتي، أما حين كنت أترجم لغيري فقد كنت أشعر بضيق ساحة المناورة، مع أن المناورة هي أساس الترجمة. في آخر تجربة لي وهي ترجمة رواية "الريش" لسليم بركات، شعرت بأن الترجمة عملية تشبه حفر نفق أكثر من أن تشبه بناء جسر للعبور.

تبدو شغوفا بالتاريخ في رواياتك، ومتأثرا بشخصيات تاريخية تستلهمها في رواياتك، كشخصيّة الشاعر المتصوّف "أحمد خاني" وشخصيّة "القاضي محمّد" رئيس جمهورية مهاباد، ما سر هذا الشغف الروائي بالتاريخ لديك؟

في تجربتي الروائية أبحث عن الإجابات عن أسئلة المصير في تاريخنا الحافل بالخيبات

-الرواية، أي رواية هي تاريخ. تاريخ لشخصية أو مكان أو حدث ما، فلا رواية خارج التاريخ. أما نمط رواياتي التي تستلهم التاريخ فلا يمكن حشرها في الجنس الذي درج النقاد على تسميته "الرواية التاريخية".

وحسنا فعلت إذ سميت حالتي "شغفا بالتاريخ" فهو توصيف أقرب إلى الحقيقة من المصطلح النقدي الذي مر ذكره. أنا في كل رواياتي أتحدث عن شخصيات عاشت في أزمنة سابقة. وأستطيع القول إن الفرق بين روايتي "ميرنامه" مثلا وأي رواية تعالج قضايا راهنة هو أن روايتي تريد أن تحتال على القارئ.

تريد أن توهم القارئ أن ما يحدث في الرواية كان سابقا على زمنه بثلاثة قرون. ولا يهمني إن وقع القارئ في براثن هذه الحيلة أو نجا منها، بل جل ما يهمني كروائي، هو أن القضايا التي أعالجها هي نفسها القضايا التي تشغل بال الإنسان المعاصر.

لأعد إلى جوهر سؤالك لأقول إن عندي بالفعل شغفا بالتاريخ وشخوصه وهوايتي المفضّلة هي النبش في تلال الزمن الغابر، والحفر في طبقاتها للعثور على دفائن نفيسة، أما السر الذي تريد مني أن أفشيه لك فهو أنني في تجربتي الروائية أبحث عن الإجابات عن أسئلة المصير في تاريخنا الحافل بالخيبات.

أنا أبحث عن سر تمزق الكرد وبقائهم بلا دولة، أبحث عن إجابة لأسئلة الذات الكردية التائهة القلقة والمتشظّية. لذا أقول إن رواياتي لا تدّعي شرف إيجاد الحلول، بل تسعى لإثارة بحيرة العقل الكردي.

الرواية الكردية عانت كثيرا، والروائي الكردي ظل منقسما بين اللغات العربية والتركية والفارسية، ومؤخرا اللغات الأوروبية، أين تصنف الرواية الكردية وكيف ترى أحوالها راهنا؟

بشكل عام فقد تقدّمت الرواية الكردية خطوات هائلة وبرزت أسماء لامعة

-اللغة الكردية بشكل عام عانت السياسات العنصرية. وبطبيعة الحال تأثرت الرواية من حيث كونها مخلوقا لغويا بتلك السياسات التي أخرت تطور اللغة الكردية، وبالتالي أخرت نشوء الفن الروائي. لكن اللغة الكردية صمدت صمودا أسطوريا وحقّقت نوعا مما يمكننا تسميته "المعجزة الثقافية".

فبدون مدارس ولا جامعات، وفي ظل الخوف من السلطة والمنع التام للتحدث والكتابة بالكردية، برزت في الظل أصوات أدبية قوية، ونشأ جيل من كتاب القصة والروائيين والشعراء في تجربة قل نظيرها في تاريخ الإنسان.

وبشكل عام فقد تقدّمت الرواية الكردية خطوات هائلة وبرزت أسماء لامعة منها على سبيل المثال "بختيار علي" و"عطا محمد" من كردستان العراق، و"رحيم قاضي" و"عطا نهايي" من كردستان إيران. وفي تركيا برز "محمد أوزون" و"صلاح الدين بولوت"، وفي سوريا "آزاد علي" و"رضوان علي" و"بافي نازي" و"بير روستم" و"شاهين سوركلي".

إلا أن التجربة الروائية الكردية ليست بهذا التنوع والغنى وتعدد أساليب السرد والتقنيات الروائية كالتي نراها في باقي التجارب العالمية، ولكن قياسا إلى الظروف الخاصة التي مرت بها اللغة الكردية يمكننا القول إن الرواية بخير وهي تتقدم بخطوات كبيرة.

عاش المثقف الكردي السوري قمعا مركبا في ظل نظام البعث، مما دفع الكثيرين إلى الهجرة والمنفى وأنت واحد من أولئك، هل الهواجس بقيت هي نفسها في ظل المتغيّرات الكبرى وبخاصّة الثورة السوريّة؟

نحن متفائلون بأن سوريا المستقبل هي غير سوريا التي عشنا في ظل نظامها القمعي وهجرناها مكرهين هربا بلغتنا وأفكارنا

- المثقف الكردي السوري كان أول من استبشر خيرا بالثورة السورية. فالثورة كانت تعني له قبل كل شيء نهاية الحقبة البعثية التي صبغت الوطن السوري باللون "القومجي" الشوفيني. لم نسمع طوال حياتنا في أجهزة إعلام هذه الحقبة سوى الصوت العربي (الذي نحترمه بكل تأكيد) على حساب بقية الأصوات.

كنا نتمنى أن تكون هناك جريدة واحدة فقط بالكردية واللغات الأخرى، إذاعة تبث نصف ساعة يوميا. ربع ساعة نشرة أخبار باللغة الكردية واللغات الأخرى في التلفزيون الحكومي. وبقينا نقتات من هذه الأحلام إلى أن تفجرت الثورة العظيمة، فكان لابد لنا أن ننحاز إليها.

لقد انتعش في ظلها ما يشبه نهضة إعلامية في المناطق الكردية فصدرت مجلات وجرائد كردية، ونشأت إذاعات محلية، كما أن شركاءنا العرب انفتحوا على ثقافتنا حين زالت بيننا وبينهم الحجب الشوفينيّة، صرنا أقدر على التواصل فيما بيننا، ولمسنا من أشقائنا رغبة صادقة في التعرّف إلينا وإلى آدابنا والاهتمام بها.

كان هاجسنا الأوّل والأخير هو الحرّية وما زال، ولم يكن عبثا أن الحرية كانت العنوان الرئيس لثورتنا العظيمة. نحن متفائلون بأن سوريا المستقبل هي غير سوريا التي عشنا في ظل نظامها القمعي وهجرناها مكرهين هربا بلغتنا وأفكارنا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة