إنهم يكرهون أميركا.. ويحتاجونها   
الثلاثاء 1422/3/27 هـ - الموافق 19/6/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


الدوحة - الجزيرة نت

يؤكد الصحفي والكاتب الأميركي توماس فريدمان في صحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم أن العداء الأوروبي لأميركا قديم ولم يبدأ في الظهور مع تولى "جورج دوبايا" الرئاسة، لكنه يطرح تساؤلا مهما إن كان هناك من أمر جديد في العداء الراهن لأميركا وإن كان لذلك عوقب إستراتيجية.

ويجيب الكاتب على هذا التساؤل في مقاله بعنوان "إنهم يكرهون أميركا.. ويحتاجونها", وقد استلهم الكاتب فكرة مقاله من قراءته لحوادث العداء التي واجهها الرئيس بوش أثناء جولته الأوروبية.

عداء أوروبي

إن العداء لأميركا في اليونان وأوروبا كان وراءه اليسار وتركز حول ما فعلته أميركا وكيف أنها لا تلتزم بالمثل التي تنادي بها
يقول الكاتب: في الواقع هناك بعض الجديد في ما يتعلق بهذا الأمر يمكن ملامسته في بلد مثل اليونان. فالصحفي اليوناني تاكيس ميكاس يوضح في كتابه الذي سينشر قريبا بعنوان "التحالف اللامقدس: اليونان وصربيا ميلوشوفيتش إبان الثمانينيات" أن العداء لأميركا في اليونان وأوروبا كان وراءه اليسار وتركز حول "ما فعلته أميركا وكيف أنها لا تلتزم بالمثل التي تنادي بها عندما دعمت الدكتاتوريين في اليونان وفي كل مكان آخر".

ويشرح الكاتب الشكل الراهن للعداء الأوروبي لأميركا فيقول: إنه يركز على "ما هي عليه أميركا اليوم"، وحسب ميكاس فإن ذلك يجمع ما بين أقصى اليسار وأقصى اليمين والكنيسة الأرثوذكسية. فاليسار القديم يكره أميركا على رأسمالية السوق الحر وعقوبة الإعدام والعولمة. أما أقصى اليسار فيكرهها لترويجها تعدديتها الثقافية في البلقان، وهو ما يهدد القومية اليونانية. أما الأسقفية الأرثوذكسية فإنها تكره أميركا لأنها تلهي الشباب اليوناني عن دينهم وتراثهم.

ويتساءل الكاتب بعد إقراره بحقيقة العداء الأوروبي لأميركا: هل هذا أمر مهم؟ وهل سيفضي ذلك إلى تحالف دول مناوئ لأميركا يهدد مصالحنا الحيوية؟


رغم الامتعاض الكبير تجاه أميركا خاصة بين النخب الاوروبية، فإن الانجذاب نحو أميركا بثقافتها وجامعاتها وأفلامها وأطباقها وأزيائها وتقنياتها لا يزال قويا
ويجيب الكاتب بقوله حتى الآن لا وجود لذلك حسب ما يقول جوزيف جوف محلل الشؤون الخارجية الألماني في مقال مهم نشره في مجلة المصالح القومية بعنوان "من يخاف السيد الكبير؟". ويحاجج جيف في مقاله هذا أن من بين أسباب عدم تشكل تحالف مناوئ لأميركا حتى الآن هو أنه رغم الامتعاض الكبير تجاه أميركا خاصة بين النخب الأوروبية، فان الانجذاب نحو أميركا بثقافتها وجامعاتها وأفلامها وأطباقها وأزيائها وتقنياتها لا يزال قويا، ولا يوجد في الوقت الراهن في العالم ما يوازن هذا الانجذاب. ومقابل كل نخبوي أوروبي يشعر بالامتعاض مما عليه أميركا اليوم، هناك عشرة اطفال أوروبيين يحبون ما هي عليه أميركا. ويوضح جيف أن "أميركا هي الوحش والنموذج، وهي الإغراء والتهديد".

ويستطرد جوف قائلا: في الوقت الذي ينعدم فيه توازن القوة الأميركية غير العسكرية، ليس هناك ديزني لاند في موسكو أو جامعة هارفرد في بكين.

تحالف مناوئ
ويتساءل جوف: ما السبب في عدم تشكل عصابات أو تجمعات بين دول مناوئة للولايات المتحدة؟. ويعلل الكاتب ذلك الأمر بسببين:
* أن هذا لم يحدث حتى الآن لأن أميركا تثير الضيق وتخاصم لكنها لا تغزو عسكريا بلدا آخر. ومن يمسك عن الغزو واحتلال الآخر لا يستفز ضده تحالفات مناوئة أو حروبا. كما يشير جوف إلى أن العداء الأوروبي لأميركا اليوم يأتي في باب "تجمع جديد" له ضجيج ولكنه غير مؤذ.

*أن أميركا لا تزال مستعدة لتزويد النظام المعولم بـ"البضائع العامة"، إذ إن الجميع ينتفعون من البضائع العامة التي تبقي على الخطوط البحرية مفتوحة، وتوازن نظام التجارة الحرة، كما أنها تردع الأشرار في بلد مثل العراق. وهذا يوفر لمن هم أقل قوة حافزا على التعاون معنا حتى وهم يكيلون لنا الانتقادات، فمن غيرنا عساه يحافظ على الأمن العالمي والاستقرار المالي؟

دروس مستفادة
ويخلص الكاتب في نهاية مقاله إلى الحديث عن الدروس المستفادة في "حالة" أميركا فيقول: إن فترات السلام النسبي تبرز عند وجود قوة خيرة مستعدة لتوفير الخدمات العامة والحفاظ على نظام عالمي متوازن، حتى لو اضطرت إلى تسديد نصيب كبير من كلفة ذلك.


الخطر الداهم اليوم لا يتمثل في العداء الأوروبي لأميركا، بل في عداء أميركا لأميركا, والخطر الأعظم هو في ما إذا كفت أميركا عن لعب دور أميركا اليوم
لكن الكاتب يحذر من أن الخطر الداهم اليوم لا يتمثل في العداء الأوروبي لأميركا، بل في عداء أميركا لأميركا. والخطر الأعظم هو في ما إذا كفت أميركا عن لعب دور أميركا اليوم، أي القوة العظمى الخيرة المستعدة لتحمل تسديد النصيب الأكبر من كلفة الحفاظ على النظام العالمي الذي تعتبر المستفيد الأكبر منه.

ويوضح الكاتب ثلاث حالات يمكن أن يحدث فيها هذا الأمر:
*عندما يصبح الكونغرس شديد الرخص أو الغباء.
*عندما يصبح اقتصادنا بالغ الضعف.
* أو في حال وجود إدارة أميركية يطغى عليها أشخاص لا استعداد عندهم لوضع أي حدود على التصرفات الأميركية من استهلاك الطاقة وحتى الصواريخ الدفاعية.

ويقول الكاتب في نهاية مقاله: هذا الشكل لأميركا إن أخذ بتطرف قد يبدد جاذبيتنا ويدفع نحو بروز تحالف مناوئ لنا. وما من شك في أن أنصار بوش ومؤيديه يدركون ذلك!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة