كيف تعاملت مراكز البحوث الإسرائيلية مع الانتفاضة؟   
الأحد 12/1/1437 هـ - الموافق 25/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:55 (مكة المكرمة)، 14:55 (غرينتش)

انشغلت المراكز البحثية الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة بتقديم تفسيراتها لموجة العمليات الفلسطينية ضد الإسرائيليين، ومحاولة خبرائها وباحثيها تقديم توصياتهم لصناع القرار الإسرائيلي في كيفية التعامل مع الانتفاضة بأقل قدر من الخسائر البشرية والسياسية الإسرائيلية.

ومن بين هذه الدراسات تلك التي أعدها أودي ديكل، وهو جنرال احتياط في الجيش الإسرائيلي والرئيس السابق لدائرة المفاوضات الإسرائيلية مع الفلسطينيين، بعنوان "الوضع الإستراتيجي للقدس يتطلب إجراء تغييرات سياسية"، ذكر فيها جملة استخلاصات من الأحداث الأمنية التي تشهدها المدينة المقدسة.

ومن أهم ما قاله إن هذه الأحداث ضربت ثلاث فرضيات أساسية بقيت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ترددها، وهي أولا قدرتها على الحفاظ على الأمر الواقع في القدس من دون احتجاج فلسطيني أو عربي، لكن الانتفاضة جلبت ردود فعل فلسطينية وعربية ودولية غاضبة على إسرائيل.
 
وثانيا التقدير الاستخباري الخاطئ بأن إسرائيل سوف تبقى بعيدة عن تأثيرات الربيع العربي الذي يجتاح المنطقة، بحيث تكون بمنأى عن تأثيراته السلبية، وأتت أحداث الانتفاضة لتجعل إسرائيل في قلب العاصفة وتسلط عليها الأضواء مجددا، لاسيما تعاظم تأثير الحركات الإسلامية، وثالثا تبدد أحلام إسرائيل بأن تبقى القدس عاصمة موحدة أبدية لها دون تدخل فلسطيني عربي دولي.

وأوصى ديكل بأربع توصيات للحكومة الإسرائيلية من أجل التعامل مع الأحداث الجارية، تتمثل في تشكيل لجنة تنسيق إسرائيلية فلسطينية لبحث الوضع القائم في القدس، وتقديم جملة تسهيلات اقتصادية للفلسطينيين، ومحاولة إشراك القيادة السياسية لعرب 48 في اتخاذ القرارات التي تخص مستقبلهم، وإقامة سلطات محلية تخص رعاية وإدارة شؤون الفلسطينيين في شرقي القدس.
 
شبان فلسطينيون أثناء اشتباكات سابقة مع قوات الاحتلال قرب رام الله (رويترز)

تصعيد تدريجي
أما الباحث في الشؤون العسكرية كوبي ميخائيل فنشر دراسة بعنوان "التصعيد مع الفلسطينيين: ملاحظات وتوصيات"، ذكر فيها أهم نتائج التصعيد الميداني الحاصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين حيث قال إن الأحداث الجارية لم تصل بعد مرحلة الانتفاضة الشعبية الحقيقية، بل هي تصعيد تدريجي يترافق مع أحداث عنف واضطرابات أمنية، تشير ضمنا إلى إمكانية فقدان السلطة الفلسطينية السيطرة على الشارع.

ولمواجهة هذا الوضع، دعا ميخائيل الحكومة الإسرائيلية إلى رفع مستوى التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية لمنع اندلاع موجة عنف كبيرة وامتدادها في مختلف المناطق، وعدم اتخاذ أي إجراءات أمنية ميدانية من شأنها توجيه عقوبات جماعية ضد الفلسطينيين.

وفي الوقت ذاته -يتابع ميخائيل- على الجمهور الإسرائيلي أن يعلم جيدا أن عدم إدارة الأزمة الحاصلة مع الفلسطينيين بصورة هادئة قد يسفر عن امتداد آثارها لتصبح حربا دينية تعم كل المنطقة، وهذا في غير صالح الإسرائيليين على الإطلاق.

وبدورها تناولت الباحثة الإسرائيلية تسيفي يسرائيلي في دراستها المعنونة بـ"العمليات الفردية..تقييم إعلامي"، كيفية تغطية الإعلام الإسرائيلي لظاهرة العمليات الفردية الأخيرة عبر الطعن والدعس وإطلاق النار، بالإشارة إلى أن متابعته الحثيثة والمباشرة لهذه العمليات تسببت في ممارسة ضغط كبير على صانع القرار الإسرائيلي لاتخاذ خطوات قاسية ضد الفلسطينيين.

وبحسب يسرائيلي، فقد تؤدي التغطية الإعلامية الإسرائيلية، عن قصد أو دون قصد، لتصعيد دائرة العنف الجارية بين الجانبين، لذا فإن ظاهرة العمليات الفردية تبدو من دون حلول جذرية ممكنة، ولذلك فهي معضلة حقيقية بالنسبة لإسرائيل، لأنها نجحت في فقدان المواطن الإسرائيلي شعوره بالأمن الشخصي.

وتضيف يسرائيلي أن التغطية الإعلامية الإسرائيلية للعمليات أخذت الأوضاع الأربعة التالية، وهي أولا حين يكون هناك قتلى إسرائيليون تخرج التغطية عن طبيعتها العادية، بل يطغى الطابع المباشر وأخذ ردود الأفعال على الهواء مباشرة.

وثانيا حين تتقارب الفترات الزمنية لتنفيذ العمليات يطلق الإعلام الإسرائيلي عليها عبارات "دوامة الإرهاب، وأيام دامية، وعملية تتبعها أخرى، وعنف لا يتوقف".

وثالثا حين تحصل عمليات فلسطينية خارج أراضي الضفة الغربية، في القدس مثلا أو داخل إسرائيل، تجرى تغطيات تثير خوف الإسرائيليين المتزايد، ورابعا حين يكون القتلى من الجنود الإسرائيليين تختلف التغطية قليلا بالإشارة لتفاصيل أكثر للعملية، وكيف نجح الفلسطينيون في استهداف جنود مدججين بالسلاح.

مشاركة عرب 48
أما الضابط الأسبق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية مائير ألران فأعد دراسة عن "تأثير الانتفاضة على وضع عرب إسرائيل"، تحدث فيها عن تأثير الانتفاضة على الجمهور العربي داخل إسرائيل، بالإشارة إلى أن مشاركة عرب 48 في أحداث عنيفة تشهدها الضفة الغربية والقدس ليست أمرا جديدا، فهناك نماذج من مشاركاتهم حصلت في الانتفاضة الأولى 1987، وفي انتفاضة الأقصى 2000، وتشير هذه المشاركات إلى تنامي المشاكل التي يشعرون بها تحت السيطرة الإسرائيلية، وتشير إلى أن إسرائيل هي "دولة يهودية ديمقراطية".


ورأى ألران أن على الحكومة الإسرائيلية التعامل مع هذا الوضع من خلال مسارين، الأول على المدى القصير ويتمثل في ضرورة تحييد الأحياء والمدن العربية من عدم الانخراط في الأحداث الأمنية التي تشهدها الضفة الغربية والقدس، من خلال تكثيف الحوارات الجارية بين قيادات أمنية وسياسية إسرائيلية مع قادة الوسط العربي لمنعه من الانجرار لهذه الأحداث العنيفة.

أما المسار الثاني على المدى البعيد، فأكد ألران على ضرورة بدء الحكومة الإسرائيلية في خطوات طويلة الأجل تتعلق بتحسين الظروف المعيشية والاقتصادية للسكان العرب بصورة ملموسة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة