من يوميات الثورة المصرية   
الخميس 21/3/1432 هـ - الموافق 24/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 22:36 (مكة المكرمة)، 19:36 (غرينتش)

إبراهيم عبد المجيد
 
أجل كنت شاهدا على هذه الثورة العظيمة لشباب مصر، وشاهدا لما فعله نظام مبارك من حرق لمصر، يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من يناير هو يوم الشرطة المصرية، الذي يوافق ذكرى مقاومة فريق من الشرطة المصرية للإنجليز عام 1952 في مدينة الإسماعيلية، وصار عيدا يحتفل به كل المصريين.

إلا أن الشرطة علي طول تاريخها بعد ثورة يوليو 1952، كانت أشد قسوة على الشعب المصري من الاستعمار الإنجليزي، وبلغت قسوتها مداها خلال الثلاثين سنة الماضية من حكم الرئيس مبارك، الذي يحكم تحت مظلة قانون الطوارئ، الذي يتيح لأي رجل من رجال الشرطة أن يقبض على أي شخص، ويودعه في السجن بلا اتهام واضح، وأصبح تعذيب الناس في أقسام البوليس أمرا عاديا، وصل إلى حد تعذيب النساء أيضا.

غير التعذيب صارت الشرطة تعني الفساد والرشوة، فأنت لا تستطيع إنجاز أي شيء دون رشوة الشرطة، وازداد الفساد لأنه وصل إلى طائفة تسمى أمناء الشرطة، وهي رتبة أقل من الضابط وأكبر من الجندي، صاروا عبئا على كل الفئات الاجتماعية بطلباتهم التي لا تنتهي من الرشوة والجباية، وبين هذا الجهاز ووفقا لقانون الطوارئ، صار جهاز أمن الدولة يتحكم في كل شيء، وهو الجهاز الأكبر في الشرطة.

"
الشرطة طوال تاريخها بعد ثورة يوليو 1952، كانت أشد قسوة على الشعب المصري من الاستعمار الإنجليزي، وبلغت قسوتها مداها خلال الثلاثين سنة الماضية من حكم الرئيس مبارك
"
صحيح أنه بعيد عن الرشوة التي استشرت في الأجهزة الأخرى، لكنه صار المتحكم في كل شيء، فلا وظيفة لرئيس تحرير أو مدير عام في مصلحة أو معيد في الجامعة أو رئيس للجامعة أو شيخ في المسجد، يمكن أن تتم بعيدا عن موافقة أمن الدولة، وبالطبع إنشاء صحيفة أو دار نشر.. باختصار تضخم هذا الجهاز الذي كان معنيا بالسياسيين في عهد عبد الناصر، ليصبح معنيا بكل شيء في البلاد.

لقد اختار المتظاهرون الثلاثاء خمسة وعشرين يناير فيما يبدو لتكون الشرطة رؤوفة بهم يوم عيدهم، ولا تلوث هذا اليوم بضربهم والاعتداء عليهم.
 
فزاعة الإخوان
كنت يوم الثلاثاء في مكاني المفضل في منطقة وسط البلد، مقهى ريش الشهير أو مقهى زهرة البستان القريب، وعندما اندلعت المظاهرات لم تتدخل فيها الشرطة حتى الساعة الثالثة، حين أذيع بيان في التلفزيون المصري يقول إن عناصر من الإخوان المسلمين قد اندسوا بين المتظاهرين وسيقومون بالتخريب، لقد اندس عدد من الشرطة السرية بين المتظاهرين وراحوا يقذفون رجال الشرطة بالحجارة، لترد على المتظاهرين جميعا، ولكن سرعان ما سيطر عليهم المتظاهرون وفشلت الخطة.

كان واضحا أن الشرطة تستخدم فزاعة الإخوان المسلمين التي تخيف الغرب، لتفعل بالمتظاهرين ما تريد، وتستخدم بعض رجالها في الثياب المدنية لتشعل المعركة، لكن فشلت الخطة وظل المتظاهرون يتجمعون في ميدان التحرير.

كان الأمر مختلفا في مدن أخرى مثل السويس والإسكندرية والمحلة الكبرى، حيث قامت الشرطة باستخدام القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي والمطاطي، فوقع شهداء لم يقع مثلهم في القاهرة، التي تحت سمع وبصر الإعلام والصحافة العالمية.

بعد منتصف الليل قامت الشرطة بهجوم كبير بالمدرعات، استطاعت فيه إنهاء المظاهرة الكبرى في ميدان التحرير، وقبضت بشكل عشوائي على مئات من المتظاهرين وغير المتظاهرين، وأودعتهم معسكرات للشرطة بعيدا عن القاهرة.
يوم الأربعاء والخميس مرا مرورا عاديا في القاهرة، لكن المظاهرات وقتل المتظاهرين استمرا في السويس والإسكندرية، بل أفرجت الشرطة في القاهرة عن كثير من المعتقلين، لكن الشباب تراسلوا علي صفحات فيسبوك وتويتر وغيرها، أن يكون يوم الجمعة هو يوم الغضب، ويوم الخميس انقطعت شبكة الإنترنت في مصر بعد منتصف الليل، وبالتالي انقطع فيسبوك وأغلق موقع تويتر.

كانت الدولة يوم الثلاثاء قد قطعت الاتصال بالتليفون المحمول عن منطقة وسط البلد فقط، أما الآن فقد أوقفت المحمول والإنترنت، لكن الموعد الذي سبق تحديده بعد صلاة الجمعة لا يخطئ فيه أحد.

"
هناك سقطت وهناك استعدت قوتي بعد دقائق، وخرجت أتابع الموقف، ابتعدت عن منطقة نصف البلد إلى منطقة "معروف" القريبة، فوجدت الشرطة تطارد المتظاهرين، ويتقدمهم بلطجية ومجرمون تابعون.. اندهشت جدا كيف يطاردوني وأنا في هذه السن ومعي زوجتي، ولا يبدو علي أني أشترك في القتال ضدهم
"
انتهت الصلاة فإذا بالمصلين ينتفضون بالشعارات المعادية للرئيس مبارك ونظامه، من جميع الجوامع القريبة، لكنهم لم يستطيعوا التجمع في ميدان التحرير، حيث تقطع الشرطة ورجالها عليهم كل طريق.
 
آلاف القنابل
وكانت النتيجة أنهم انتشروا في كل طرق نصف البلد الهامة، ومشيت مع بعضهم أتابع الموقف وأطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع بكميات مرعبة لا يتخيلها بشر، ربما  عشرات الآلاف من القنابل، بحيث صار الفضاء في كل الشوارع أبيض، ورائحة الغاز تخنق الجميع، وظهرت في أيدي الشباب زجاجات الخل وثمار البصل وعلب البيبسي كولا التي تساعد علي ضياع أثر القنابل المسيلة للدموع.

وكان من قبل قد وصلت لكل مشتركي فيسبوك نصائح من الشباب التونسي، باستخدام هذه الأشياء في مقاومة الغاز، أصابني ما أصاب الجميع لكن عمري وقوتي لم تحتمل، فسقطت على الأرض، لكن قبل سقوطي كنت جريت إلى مقهى ريش، الذي كان يفتح بابه على حذر ودخلت وأغلقوا الباب.

هناك سقطت وهناك استعدت قوتي بعد دقائق، وخرجت أتابع الموقف، ابتعدت عن منطقة نصف البلد إلى منطقة "معروف" القريبة، فوجدت الشرطة تطارد المتظاهرين، ويتقدمهم بلطجية ومجرمون تابعون للبوليس، وفي لحظة دخلت إلى إحدى العمارات ومعي زوجتي، وأغلق بوّاب العمارة بابها، لكن البلطجية والقتلة الذين أطلقتهم الشرطة، يحملون سيوفا وبلطا -جمع بلطة- كسروا الباب خلفنا، فصعدنا إلى الدور الثالث، ولم ينقذنا منهم إلا شباب العمارة، الذين قذفوهم بكل ما يستطيعون، وإحدى السيدات فتحت لنا الباب لنختبئ عندها حتي ينتهي الأمر، اندهشت جدا كيف يطاردوني وأنا في هذه السن ومعي زوجتي، ولا يبدو علي أني أشترك في القتال ضدهم.

بسرعة صارت هناك لافتات صغيرة من الورق العادي، وبسرعة بدأت خفة دم المصريين في الظهور وروح الفكاهة، فظهرت لافتات من نوع "كيلو اللحمة بميت جنيه ومتر مدينتي بنص جنيه"، يشيرون إلى أراضي الدولة التي وزعها النظام علي أصدقائه من رجال الأعمال، تقريبا بلا ثمن، ولافتات مثل: "امشي بأه ياعم وخلي عندك دم"، وفي صباح الأحد ازدادت اللافتات الفكهة من نوع: "رئيس مستعمل + خلاط  بخمسة وعشرين جنيه"، في الوقت الذي لا تتوقف الهتافات "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"الشعب يريد محاكمة النظام"، و"مسلم ومسيحي إيد واحدة".

"
لقد حرق حسني مبارك ورجاله على اختلاف أنواعهم مصر وشبابها، ليس في مصر للأسف نيرون واحد، ولكن كل رجال الحكم هم نيرون الذي يتباهى بحرق الوطن
"
وكان هناك تركيز كبير علي هذا الشعار، وبدا أن الثورة وليست المظاهرة الآن قد صارت هي بيت المصريين جميعا، فامتلأت بالنساء والفتيات، ولم تحدث واقعة تحرش جنسي واحدة بين مئات الآلاف من المتظاهرين ولا حادثة سرقة، وبدأت البيوت التي تحيط بالميدان تلقي لهم بزجاجات المياه المعدنية ليشربوا، وبدأ الكثيرون منهم يخرجون ليشتروا بكل ما يملكون من مال طعاما للجميع.
 
حريق مبارك
مساء الأحد خطب الرئيس مبارك، لكنه لم يقدم شيئا للمتظاهرين، لقد غير الوزارة، وعين نائبا له هو الفريق عمر سليمان من جهاز المخابرات، ورئيس وزراء هو أحمد شفيق ضابط الطيران السابق، لكن كان واضحا أنه لن يغير الدستور، ولن يحاسب أحدا ممن قتل الناس أو نهب ثروة مصر، فازدادت الثورة، واحتشد في الميدان يوم الثلاثاء ثلاثة ملايين علي الأقل، راحوا يهتفون بسقوطه ونظامه ويغنون وانطلقت أغنيات الشيخ إمام وعبد الحليم حافظ ومحمد منير الوطنية، وأغنية داليدا "حلوة يا بلدي"، وكان يوما حافلا بالأمل.

خطب الرئيس خطبته الثانية التي أعلن فيها أنه لن يترشح للرئاسة مرة أخرى، لكنه لم يشر إلى أن ابنه جمال لن يترشح، وأنه طلب من مجلسي الشعب والشورى تغيير مادتين في الدستور، لكنه لم يشر إلى المادة التي تمنع الإشراف القضائي، ولم يشر مرة أخرى إلى الفساد والمفسدين، وإلى أموال الشعب المنهوبة عبر ثلاثين سنة، ولم يقل كلمة عن الذين قتلوا شباب الثوار ولا عن أهلهم يعزيهم.

كان من الطبيعي أن يرفض الثوار الخطاب، رغم أن عددا كبيرا منهم قبله، وبالذات حين استرق الرئيس عطف الناس بقوله إنه مصري وسيموت في أرض مصر، كان من الممكن بدل أن ينتظر رجال الدولة أن يفاوضهم أحد، أن يذهبوا هم إلى الثوار، خاصة في اليوم التالي لخطاب الرئيس "الأربعاء" الذي لم يكن مفاجئا لأحد أنه منذ منتصف الليل يتم جمع البلطجية والفقراء والمتسولين عند مبني الإذاعة والتلفزيون، ويصرفون لكل منهم خمسين جنيها ووجبة طعام، وكذلك الأمر في مقرات الحزب الوطني بالقاهرة، بالإضافة إلى السكاكين والعصي والسيوف.

وما كاد اليوم يشرق حتى حاصر هؤلاء القتلة الثوار، واستعانوا أيضا بالخيل والجمال لمهاجمتهم. لقد حرق حسني مبارك ورجاله علي اختلاف أنواعهم مصر وشبابها، ليس في مصر للأسف نيرون واحد، ولكن كل رجال الحكم هم نيرون الذي يتباهى بحرق الوطن.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة