"الذكريات وغلاف مجلة".. جماليات الماضي في العراق   
الأحد 1437/10/26 هـ - الموافق 31/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:05 (مكة المكرمة)، 14:05 (غرينتش)

هيثم حسين

يتجلى الحنين بصيغ شتى لدى العراقي نعيم عبد مهلهل في روايته "بريجيت باردو.. الذكريات وغلاف مجلة" وهو حنين يعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ليدون بعض الذكريات التي تمزج بين الجانبين السينمائي والسوريالي، وتداخل الأساطير بالوقائع والأحلام في بلاد الرافدين، ومساهمة ذلك كله في بلورة أحلام أبناء تلك المرحلة وحاضرهم الضبابي في منافيهم.

تتبدى الرواية (منشورات نينوى، دمشق 2016) مسكونة بروح شاب عاشق للسينما وتفاصيلها وصناعها، لتحتل الصدارة وجوه فاتناتها في تلك الحقبة، وأشهرهن بريجيت باردو التي كانت تشكل نموذج الإغراء والجمال لشباب من ذاك الجيل، ومسعاهم المتمثل في تغيير أحوالهم والتماهي مع أبطال الأفلام السينمائية، في حين أن واقعهم المأساوي كان مشبعا بالغرابة والضياع والتشتت، وكان الرزح تاليا تحت أعباء الحروب وظلالها الكارثية كفيلا بوأد الأحلام وتحطيمها.

هندسة الذكريات
نعيم عبد مهلهل الذي حاز جائزة الدولة في الرواية 2003، وكانت روايته "جنكيز خان" قد احتلت المرتبة الثانية في جائزة دبي الثقافية 2007، كما فاز بجائزة أدب الرحلات لعام 2011 عن كتابه "ابن بطوطة.. ناقة الجغرافيا وأنوثة المدن".

يجد مؤلف وردة بعطر الزقورة أنه حين جاءت محطات التشتت والاغتراب والنأي عن البلاد بسبب فوضى الجنرالات واللصوص كان عليه أن يجعل من قوت المهجر الألماني وقودا لمدفأة الهروب من البرد واستعادة حنين تلك الأمكنة

ويحرض مهلهل من خلال الذكريات المستعادة على التأسيس لزمن يتخفف من أحقاد قاتلة، ورغم إشارته إلى أن رومانسية الحلم تناقض سوداوية الواقع فإنه يختار دربا يلجأ إليه في مسعى لتهيمن قوة الفن والجمال في مواجهة واقع القتل والرعب والانتقام في بلده.

بطل الرواية الذي يتماهى مع الروائي نفسه في محطات من حياته يكون صورة عن جيل خابت آماله بالتغيير، ووجد نفسه على قارعة شوارع المنافي والمهاجر حيث لا يملك سوى الذاكرة ليحارب بها قسوة الزمن وضغط الأيام، وتكون الذاكرة سبيلا للعودة إلى الماضي وممارسة نوع من إعادة هندسة الذكريات بما يتوافق مع جماليات الحلم بغد أجمل رغم مرارات الحاضر وعذاباته.

الصلات العميقة بين الشرق والغرب تحضر بطريقة خفية، يعترف الراوي في لحظة مناجاة مع حبيبته الفرنسية دومينيكان بأن الطريق إلى الأهوار لا يشبه الطريق إلى روما، لكنه حتما أكثر متعة بالنسبة له، يعيش أسطورته الشخصية عبر الذكريات التي تكون مهربا إلى واقع متخيل أجمل، واقع بعيد عن الدماء والحروب والصراعات التي تفتك بجسد العراق المعاصر.

يستخدم صاحب "فتاة حقل الرز" لغة شاعرية تناسب حالة التذكر وهواجس المهاجر القلق في زمانه ومكانه، الغريب الباحث عن وطنه الذي يمثل فردوسه المفقود، السائر في طريق العودة رغم ما تنتظره من مشقات كفيلة بتغريبه عن ذاته ومسقط رأسه ومهوى ذكرياته وأمانيه.

نعيم عبد مهلهل مؤلف الرواية (الجزيرة)

قلق الأمكنة
وفي تصريح خاص للجزيرة نت يؤكد الروائي نعيم عبد مهلهل أنه يشعر بأن كتابته لروايته هي كتابة لذكريات قلق الأمكنة وأحلامها، والهروب إلى لذة السينما من طواغيت أيامهم القديمة والجديدة التي لا تعرف سوى صناعة الحروب.

ويلفت إلى أن ما رواه كان رؤيا لما كان يتمناه هو ورهط كامل من جيل عاش ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، وعلى صدى سيمفونيات العطر في أغاني أم كلثوم وشارل إزنافور وبين زوايا البوح الخفي لكتب سارتر وكولن ولسن ودواوين نزار قباني وسعال السياب وفرحهم الغامر مع ترجمة قصائد كافافيس لأول مرة.

يستدرك مهلهل أنه كان للسينما الجانب الخفي من الإبهار عندما كانوا يعيشون عزلة الماء والقصب في بيئة كانت أصلا هي الحاضنة الأولى لأولى الحضارات.

ويقصد بذلك بيئة الأهوار في الجنوب العراقي حيث عين معلما، وهناك كان غرام ممثلات السينما يسكن بهجتهم الصوفية والإباحية من خلال أغلفة مجلات عربية كانوا يعلقونها على جدران غرفهم الطينية لتكون أشبه بمعرض صغير تتعطر على جدرانه ابتسامات وصدور وإغراء ممثلات السينما.

يجد مؤلف "وردة بعطر الزقورة" أنه حين جاءت محطات التشتت والاغتراب والنأي عن البلاد بسبب فوضى الجنرالات واللصوص كان عليه أن يجعل من قوت المهجر الألماني وقودا لمدفأة الهروب من البرد واستعادة حنين تلك الأمكنة من خلال جلب تلك الذكريات وأغلفة مجلاتها عبر الحلم الذي تحقق فجأة وهو يضع قدمه على أرصفة باريس ويبحث بهمس وحذر عن الشقة أو البيت الذي تسكنه العجوز الفاتنة بريجيت باردو، فقط ليتأمل نافذة البيت حتى تعيد إليه تلك الذكريات تألقها وحماسها وتتحول إلى رواية.

ويلفت إلى أن هناك شريكا آخر آتيا من فتنة تلك الأيام هو الشاعر الفرنسي آرثر رامبو، حيث كانت زيارة المدينة التي ولد فيها شارفيل من بعض خيال وأماني تلك الذكريات التي نسجها بخيوط من لذة أجفان مغتربة، لتصير حكاية للتحولات والحلم وحزن الحروب، والمحطات التي حمل حقائبها من مدن القصب والظلال السومري البعيد، ومشاتي الطيور المهاجرة إلى بلد كان من بعض لذة التصاوير فيه أنه يغري بإبداعات سينمائية وأدبية.

يعتقد مهلهل أن الرواية كتبت بهاجس التذكر والشهوة إلى جمال الماضي، وربما كتبها عبر حس من الإيمان على قدرة صوفيته على استعادة ما كان يتمناه، ويظن أنه في نهاية الرواية حصل على ذلك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة