عمر الككلي: الثورة صناعة ليبية   
الجمعة 1432/10/18 هـ - الموافق 16/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)

الككلي: لا ديمقراطية مع وجود إقصاء لأي تيار فكري أو سياسي (الجزيرة نت)

حاوره/ محمد الأصفر

من خلال مدوناته السردية الثلاث "صناعة محلية" و"منابت الحنظل" و"سجنيات" التي نشر مقتطفات منها فقط درءا لخطر نظام القذافي، وقف القاص الليبي عمر أبو القاسم الككلي مناهضا للقمع والتضييق على الحريات في بلاده، وفق رؤية يسارية تميز بها جيل سبعينيات القرن الماضي.

ويرى المتابعون للشأن الثقافي الليبي أن الككلي من أبرز كتاب القصة القصيرة في ليبيا، تملّكه الحلم بمستقبل أفضل لبلاده، فزج به النظام في السجن صحبة رفاقه الشباب عشر سنوات متواصلة أخذت زهرة شبابهم.

والجزيرة نت التقت القاص الليبي وأجرت معه الحوار التالي عن تجربته ورؤيته لمستقبل الثقافة في ليبيا.

أنت من الكتاب الذين رفضوا قبول جائزة الفاتح للإبداع، كيف تنظر إلى هذه الجائزة؟ وكيف ترى مستقبل الجوائز الأدبية في ليبيا الجديدة؟

- نعم، أنا رفضت قبول هذه الجائزة، ولست الوحيد ولا الأول في ذلك، فقد رفضها قبلي الروائي صالح السنوسي والدكتور محمد المفتي، ورفضها أيضا سالم الكبتي والدكتور محمود جبريل، وأظن أيضا الروائي والقصاص محمد العريشية.

المجموعة القصصية "منابت الحنظل" للككلي (الجزيرة نت)

رفضي كان لعدة أسباب، كل سبب منها كافٍ بذاته لعدم قبولها. على رأس هذه الأسباب أن قبولها يعد بالنسبة لي اعترافا بأن النظام يرعى المثقفين والثقافة ويدعم حرية الإبداع والفكر، في حين أن الواقع مناقض لذلك تماما.

على الصعيد الشخصي سجنت لكوني كاتبا، ومنع كتاب لي مترجم صادر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، هو كتاب صديقنا الدكتور علي عبد اللطيف احميدة المقيم بأميركا
"الأصوات المهمشة.. الخضوع والعصيان في ليبيا أثناء الاستعمار وبعده"، ورفضت رقابة المطبوعات منح الإذن لناشر ليبي بنشر كتابي" سجنيات".

أنا طبعا أريد أن أحيي الذين رفضوا الجائزة، وفي نفس الوقت أهنئ الذين قبلوها ولا أثرب عليهم في قبولها، فقيمتها المادية ليست من جيب القذافي وإنما هي من ثروة الشعب الليبي، ولا ضير في أن ينالوا جزءا من حقهم الضائع في هذه الثروة.

بالنسبة لمستقبل الجوائز، أرى أنه ينبغي أن تكون هناك جوائز متنوعة في كافة مجالات الإبداع والمعرفة، وينبغي أن تكون هناك جوائز دولة تقديرية وتشجيعية، وليس ضروريا أن تكون جوائز الدولة سنوية. يمكن أن تكون كل خمس سنوات مثلا، كي توجد فرصة لاختيار الجديرين بها، ويمكن أن تحجب في بعض المجالات على الأقل إذا لم يوجد من يستحقها، على أن تزاد قيمتها المادية.

ما رؤيتك لثورة 17 فبراير: هل هي صناعة محلية فعلا أم أن لك رأيا آخر؟

- بكل تأكيد، الانتفاضة ثم الثورة في ذاتيهما صناعة محلية محضة.. الطغيان محلي ومورس على مواطنين محليين وانتفضوا عليه بناء على ردة فعل من أعماقهم وإرادتهم المحضة وتأثرا بتيار الثورة العارم الهادر في المنطقة العربية.

أنا من الذين يؤيدون الرأي القائل بأن ثورات الوطن العربي الاجتماعية الحالية تتميز بأنها ثورات شعبية ينتفي عنها الطابع الأيدولوجي
ما من مؤامرة هنا -لعل سؤالك يومئ إليها- وما من تدخل خارجي.. التدخل الخارجي حدث فيما بعد، وهو لا يشكل مؤامرة، إنه تدخل دولي بتكليف من مؤسسة دولية ليبيا عضو فيها وموقعة على كافة مواثيقها -في حدود علمي- ولم يكن الليبيون ليتمنوه، لكنهم رأوا فيه خلاصا من هلاك محقق.

الاستبداد هو الذي خلق ظروف استدعاء التدخل الدولي والترحيب به.. طبعا كان هناك احتمال أن تستغل بعض القوى الغربية الظروف للتدخل على الأرض وتكبيل مستقبل البلاد ببعض القيود، لكن حنكة المجلس الوطني الانتقالي ومكتبه التنفيذي وانضباطية الثوار ووعي المواطنين فوتت هذه الفرصة.

وآمل ألا توجد قوى داخلية مغامرة تطمح إلى الشمولية والاستبداد وسيادة الصوت الواحد، تجر البلاد بفعل طائش إلى حدوث هذا الاحتمال، مثلما أدت رعونة القذافي إلى التدخل الدولي، إلا أن التدخل الجديد -إن حدث- لن يكون "دوليا" ولن يكون في صالح البلاد والعباد.

 
في كتاباتك نفَس يساري واضح.. ما مستقبل اليسار في الحراك السياسي الراهن وفي دولة ليبيا الجديدة؟

- لست أدري إن كنت استخلصت هذه "الروح اليسارية" من نصوصي مباشرة أم من خارجها، وأنا أثير هذا التساؤل هنا لكون اجتهادي الإبداعي يستهدف إنتاج نصوص جمالية تمتنع عن التصنيف الأيدولوجي والسياسي.. ثمة "روح إنسانية" عامة في كتاباتي، هذا ما أعتقده، والروح اليسارية تدخل بالطبع في نطاقها.

أما السؤال عن مستقبل اليسار في دولة ليبيا الجديدة فهو سؤال عن مستقبل الديمقراطية نفسها في هذه الدولة، إذ لا ديمقراطية مع وجود إقصاء لأي تيار فكري أو سياسي. وطبعا إذا كنا نتحدث عن ديمقراطية حقيقية فسيتاح له تشكيل نفسه من جديد والدخول في التنافس والتعاون الديمقراطي السلمي.

 مجموعة قصصية من ترجمة عمر الككلي
لكن يمكن القول مبدئيا إن اليسار في مجتمعاتنا إجمالا نخبوي وانتشاره الأفقي محدود، إضافة إلى أنه تعرض في الحالة الليبية -أكثر من غيره- إلى الضرب العنيف والاستباقي، على الأقل طوال عقد السبعينيات.

وحين أوقفت الحملة الوحشية ضده مع آواخر عقد الثمانينيات بسبب ظهور الجماعات الدينية المتطرفة المسلحة، كانت مهمة تفتيته وتشتيته قد أنجزت على أكمل وجه. وإضافة إلى ضربه، فقد حوصر تماما من خلال منع الكتب والصحف والمجلات وحتى الأفلام التي يمكن أن تصنف على أنها يسارية.

الثورات العربية في مصر وتونس وليبيا.. هل ستعيد لليسار مجده خاصة أن النظرة إليه الآن قد تغيرت ولم تعد الرؤية التي يروج لها النظام الدكتاتوري كالشيوعية والماركسية وأعداء الدين مؤثرة؟

- أنا من الذين يؤيدون الرأي القائل بأن ثورات الوطن العربي الاجتماعية الحالية تتميز بأنها ثورات شعبية ينتفي عنها الطابع الأيدولوجي (بمعنى انضوائها تحت لون أيدولوجي عام يضفي عليها صبغته، وليس بمعنى انعدام وجود أطياف أيدولوجية داخلها).

الصبغة العامة لهذه الثورات هي رفض الاستبداد والتوق إلى الحرية والديمقراطية بما تعنيه من سيادة القانون والفصل بين السلطات وبناء المؤسسات وترسيخ حق المواطنة.

ما يحركها هو التوق إلى الحرية والتنمية الاقتصادية والبشرية، واليسار سيلعب دوره -ومرة أخرى في حال وجود ديمقراطية حقيقية- ضمن هذا الإطار.

في ظل الثورة الآن، كيف ترى مستقبل الكتابة من حيث المستوى الفني والموضوع؟ وهل ستؤثر حرية الصحافة في رفع المستوى الفني وظهور أسماء جديدة يمكنها أن تضع الإضافة المطلوبة؟

- من الثابت أن انعدام القمع وسيادة الحرية المحكومة بقوانين إنسانية يسهم إسهاما بالغا في ازدهار الآداب والفنون والعلوم وكذلك الفكر، وما من شك في أن الصحافة من الوسائل المهمة في نشر جزء كبير من هذا النتاج.

وأعتقد بأن مسألة إيصال صوتنا كمبدعين ليبيين إلى الآخر تحتاج إلى تكاتف جهود عديدة تشمل جهود الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني المعنية وجهود مؤسسات الدولة المختصة.

في ظل إبداعك المتميز في مجال القصة القصيرة، هل يمكننا رؤية عمر الككلي روائيا؟ وإن فعلت فما الموضوع الذي ستتناوله في روايتك؟

مجموعة "صناعة محلية" لعمر الككلي
- كثيرا ما وجه إلي السؤال المتعلق بالرواية، وباختصار، فرغم رغبتي في كتابة رواية أو على الأقل عمل قصصي طويل، لم يتبلور لدي حتى الآن مشروع لعمل من هذا النوع.

أما بالنسبة لما سيكون الموضوع إذا ما شرعت في كتابة رواية فلست أدري كيف تتبلور لديك أنت مواضيعك الروائية، لكنني لا أعتقد أن الأعمال الإبداعية الأدبية يتم التخطيط لها مسبقا بهذا الشكل.

في كتابك الأخير "الصرّة الزرقاء" المحتوي على عدة نصوص قمت بترجمتها لعدة كتّاب من عدة قارات، ما الرابط بين هذه النصوص؟ وكيف تختار القصة كي تترجمها، هل لقربها من توجهك السياسي أم لإنسانيتها المفرطة؟

- الحقيقة أن هذه القصص ترجمت في أوقات متباعدة ولا يوجد ما يربط بينها في تقديري سوى جودتها الفنية وجماليتها العالية، من وجهة نظري طبعا. وهذا هو الأساس الأول الذي أختار بناء عليه ما أترجمه، إضافة إلى ضرورة توفر بعد إنساني إيجابي فيها، فأنا لا يمكن لي أن أترجم عملا معاديا للإنسانية، كأن يكون ممجدا للاستعمار أو العنصرية أو معاديا للعقل أو العلم، مهما كانت جودته الفنية والجمالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة