العنف حرم سكان بغداد متعة عطلة نهاية الأسبوع   
الأحد 1428/4/12 هـ - الموافق 29/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:09 (مكة المكرمة)، 11:09 (غرينتش)
الحظر أخلى شوارع بغداد من المارة وألزم أهلها بيوتهم (الفرنسية)
 
ألغى قرار حظر تجول السيارات في مدينة بغداد الذي بدأ العمل به في يونيو/ حزيران الماضي والمستمر حتى الآن, كل ما تبقى في العاصمة العراقية من مظاهر الحياة، وذلك بسبب التفجيرات وعمليات القتل والخطف وغيرها من مظاهر انعدام الأمن.
 
وأصبح أهل بغداد لا يترددون كما جرت العادة منذ أيام الأجداد على أسواق الجمعة, مثل سوق السراي المشهور ببيع الكتب والقرطاسية, وسوق الهرج لبيع المواد المستعملة والتحف القديمة, وسوق الغزل لبيع الطيور والحيوانات النادرة, وسوق الدراجات النارية, وأسواق الملابس وسوق الميدان.
 
العراقيون ألغوا هذه الممارسات من حياتهم في يوم الجمعة كما يقول الحاج سلمان برتو (74 عاما) الذي أوضح للجزيرة نت أن هذه الأسواق هي مصدر رزق لآلاف العائلات التي تبحث عن الرزق البسيط, بحيث يكتفي الباعة ممن ينتظرون مجيء يوم الجمعة لبيع حاجة واحدة على الأقل ربما تكسبه ربحا يكفيه كل الأسبوع حتى الجمعة التالية, فيبيع ما كان اشتراه خلال الأسبوع في واحد من هذه الأسواق.
 
وأضاف الحاج سلمان الذي اشتغل مع والده في هذه المهنة منذ عام 1956 في سوق الميدان القديم القريب من منطقة باب المعظم وسط بغداد، وذلك في تجارة أجهزة الراديو المستعملة ذات الطراز القديم والميكروفونات والأسطوانات المنتجة في شركة جقماقجي إلى هواة جمع التحف القديمة.
 
المظاهر تغيرت
متنزه الزوراء كان أحد أماكن تجول العراقيين (الفرنسية-أرشيف)
مظاهر الحياة تغيرت تماما ليس في أيام الجمع التي اختفت فيها تلك المظاهر بشكل شبه نهائي في العاصمة بغداد, بل كذك في بقية أيام الأسبوع بسبب استمرار حظر التجول اليومي.
 
وقال محمود رجب الذي عمل في محل كان يملكه المونولوجست العراقي الشهير عزيز علي الذي أنشد أشهر الأغاني الوطنية إبان أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عبر الإذاعة العراقية, "إن التغيير في حياتنا ليس سهلا بحيث نستطيع أن نتكيف معه بشكل سهل وبسيط, فالتغيير في حياتنا كبير ولم يسرق منا رزق يوم الجمعة بل غير كل نمط حياتنا, ونحتاج إلى سنين طويلة قبل أن نتكيف مع الوضع الذي ليس فيه يوم عطلة يتلقي فيه الناس دون موعد".
 
من جهته قال الأسطى أبو رزاق أبو ليلى الذي يعتبر أحد أكثر البنائين مهارة في فن العمارة البغدادية القديمة "كنا نؤجل غسيل الملابس إلى يوم الجمعة, نؤجل زيارة المريض إلى يوم الجمعة, نختار الجمعة لختان الأولاد, وأزور بيت والدي أو أخي الأكبر في يوم الجمعة, الآن لا أستطيع أن أعمل شيئا في يوم الجمعة الذي يبدأ في الساعة الثالثة ظهرا وينتهي عند العاشرة ليلا".
 
الحاجة زكية تسكن منطقة الفناهرة المتخصصة بصناعة الحصير والمكانس من سعف النخيل, وهي إحدى أقدم مناطق بغداد في الباب الشرقي بجوار نصب الحرية للفنان جواد سليم.. روت للجزيرة نت حكايات عن بغداد أصبحت في خانة الماضي البعيد, وقالت بألم يعصر القلب "سلمان باك كان المكان الذي نهرب فيه من المدينة مع أولادنا بعدما نقوم بإعداد الغداء يوم الجمعة, أو نختار الذهاب إلى أبو نواس حيث نفرش الأرض بالحصران ونترك الأولاد يلعبون قرب ضفة النهر".
 
أما أبو تغريد زوجها وهو مدرس ثانوية متقاعد فقال إن منطقة "سلمان باك تحولت الآن إلى ساحة معارك, وانتهت النزهة في ساحاتها وبساتين النخيل الواسعة الخضراء التي تلتف حول بقايا إيوان كسرى القديم في بلدة المدائن جنوبي بغداد". وتضم البلدة أيضا مرقد الصحابي سلمان الفارسي. وقد اعتاد أهل بغدد على قضاء عطلة نهاية الأسبوع في مزارعها الغناء, والآن لم يعد حتى سكان سلمان باك بإمكانهم الخروج من منازلهم.
 
رأي الشرطة
"
أصبحت بغداد أول مدينة في العالم ليس فيها يوم مخصص لراحة سكانها الذين كانوا يهربون منها إلى البساتين المحيطة بها. واليوم تحولت البساتين إلى مخابئ للجماعات المسلحة يهربون إليها في عمليات الكر والفر التي يخوضونها مع القوات الأميركية والحكومية
"
وقال عقيد الشرطة أنور ساهي محمد إن رفع الحظر نهائيا في يوم  الجمعة بمدينة بغداد أمر مرهون بالقيادة العسكرية العراقية. "ومن جانبي أعتقد أن رفع الحظر في الوقت الحاضر سيكون خطأ جسيما.. الأمر ربما يحتاج إلى أشهر, إلا أنه سيكون ممكنا إذا تمت مضاعفة القوة العسكرية العراقية داخل العاصمة".
 
بعد نحو عام ونصف منذ فرض حظر التجول يوم الجمعة في مدينة بغداد, وحظرا مماثلا على المشاة والمارة بشكل صارم من الساعة الثامنة مساء حتى السادسة من صباح اليوم الثاني، تكون بغداد أول مدينة في العالم ليس فيها يوم مخصص لراحة سكانها الذين كانوا يهربون من المدينة إلى البساتين المحيطة بالعاصمة من كل الجهات.
 
اليوم تحولت هذه البساتين إلى مخابئ  للجماعات المسلحة يهربون إليها في عمليات الكر والفر التي يخوضونها مع القوات الأميركية والحكومية. أما "كسلات" أهل بغداد وهي التسمية التي اصطلحوا على إطلاقها على يوم الجمعة, فقد أصبحت هي الأخرى شيئا من الماضي.
 
كانت النساء يقمن منذ يوم الأربعاء بإعداد وجبة الغداء التي سترافق العائلة في كسلتها الأسبوعية, وهذه الوجبات لا تخرج في الغالب عن الباجه أو الدولمه أو المقلوبة أو البرياني أو المشويات, وعلى رأسها السمك المسكوف. اليوم صارت أولويات الحياة تبدأ وتنتهي عند سكان المدينة بمصطلح جديد هو كيف سننجو من الموت.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة