متظاهرو باريس يرفضون الخلط بين الإسلام و"الإرهاب"   
الاثنين 21/3/1436 هـ - الموافق 12/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 4:57 (مكة المكرمة)، 1:57 (غرينتش)

عبد الله العالي-باريس

قبل ساعتين من بدء المظاهرة، كانت السيدة الخمسينية "حياة" بحجابها الأبيض وبذلتها السوداء المحتشمة تقف في قلب ميدان الجمهورية الذي اختاره المنظمون منطلقا للمسيرة المليونية التي شهدتها باريس الأحد، تضامنا مع ضحايا الهجمات التي أودت بأرواح 17 فرنسيا الأسبوع الماضي.

حينما سألت الجزيرة نت حياة -التي جاءت من إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية صحبة ابنتها الشابة- عن سبب حضورها المبكر، ردت بهدوء وحزم "لست هنا لأعتذر لأي كان عما اقترفه أحمدي كوليبالي والأخوان كواشي (منفذو الهجمات)، فنحن المسلمين ليس لدينا أي شعور بالذنب أو بالمسؤولية عن تلك العمليات الإجرامية".

وأردفت السيدة ذات الأصول التونسية قائلة "نحن هنا لنقول لا للعنف والإرهاب، ولنعبر عن تضامننا المطلق مع عائلات الضحايا وحرصنا على العيش المشترك في ظل مبادئ جمهوريتنا وقيمها النبيلة".

بعض المتظاهرين في باريس لم ينسوا التضامن مع الفلسطينيين (الجزيرة)

لا للتعميم
هنا تدخلت "إلهام"، الطالبة الجامعية، مقاطعة أمها "نريد أيضا أن نقول بصوت عال إننا نرفض الخلط بين الإسلام والإرهاب الذي يبدو أمرا رائقا لبعض سياسينا وإعلاميينا". ثم تساءلت الفتاة بلهجة استنكارية "لماذا لا يطبق هذا التعميم وهذه المسؤولية الجماعية على من يرتكبون اعتداءات باسم معتقدات اليمين القومي المتطرف أو باسم اليهودية والصهيونية هنا وفي الخارج؟".

وأضافت إلهام (24 عاما) "لن يرغمنا أحد على رفع مثل تلك اللافتة"، مشيرة بيدها إلى قطعة قماش بيضاء كُتب عليها بأحرف لاتينية سوداء "أنا شارلي"، وهي العبارة التي أراد متظاهرون التعبير من خلالها عن تضامنهم مع الصحيفة الفرنسية الأسبوعية الساخرة "شارلي إيبدو" التي قُتل ثمانية من صحفييها ورساميها في الهجمات.

وتترجم تصريحات حياة وابنتها مشاعر أغلبية واسعة من مسلمي فرنسا الذين يقدر عددهم بخمسة ملايين نسمة، ويشكلون أكبر جالية مسلمة في أوروبا.

وقد وجدت مواقف السيدتين  قبولا لدى فيليب الذي جاء من مدينة أنجير بغرب فرنسا ليشارك في مسيرة باريس حاملا لافتة تؤكد على وحدة الأديان السماوية الثلاثة في مواجهة العنف.

لافتة رفعت في مظاهرة باريس تدعو للوحدة بين الأديان ضد الكراهية (الجزيرة)

شركاء في الوطن
ويرى فيليب -وهو طبيب في الأربعين- أنه "يجب احترام شعور شركائنا في الوطن من أبناء الديانة الإسلامية"، مشددا على أنه "لا يليق أن نطلب منهم التماهي مع صحيفة أساءت لرموزهم الدينية". وأعرب عن سعادته "بروح الوحدة والأخوة التي سادت المظاهرة".

وأشار إلى أن الإرهاب "خطر كوني لا دين له ولا لون"، مضيفا أنه "ينبغي على الكل أن يعي ويدرك أننا في هذا العالم سكان قرية واحدة، بل أقول جيران في العمارة ذاتها، وأن علينا أن نتعاضد في وجه التحديات المشتركة".

لم يكن فيليب الوحيد الذي حضر من مدينة أخرى. كانت هناك أيضا دانيال (60 عاما) القادمة من مانت لوجولي الواقعة على بعد 57 كيلومترا غربي باريس، وتقول "لن نخاف من الإرهابيين مهما ارتكبوا من جرائم ولن نتنازل قيد أنملة عن حرياتنا الأساسية وعلى رأسها حرية التعبير".

وأضافت "لست ممن يصدقون أن الارهابي له دين، فأنا أعلم علم اليقين أنه لا توجد ديانة على وجه الأرض تحرض الإنسان على قتل أخيه الإنسان"، مشيرة إلى أن "كل تلك المعتقدات تدعو إلى التعارف والمودة بين الأفراد والشعوب".

من جانبه، أعرب استيفان -وهو طالب بإحدى كليات الحقوق- عن أمله في أن تستخلص بلاده العبر من هذه الأحداث، وأن لا تلهيها الحلول الأمنية عما سماها "معالجة الأمور في عمقها الاجتماعي المتمثل في الحرمان والتهميش" لسكان ضواحي كبريات المدن الفرنسية التي خرج منها مرتكبو هجمات باريس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة