المواجهة الثقافية هي الحل   
السبت 28/10/1433 هـ - الموافق 15/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)
طارق الشناوي
 
هل الغضب الذي اعترى العالم العربي والإسلامي وشاهدناه في مظاهرات وحرائق وقتل ودماء سفكت هنا وهناك هو الحل للرد على تشويه الإسلام؟ المواجهة في الأساس تبدو ثقافية، حيث لابد من التركيز على العقل الغربي وتغيير الصورة النمطية لديه عن الإسلام والمسلمين عبر أدوات  الفعل الثقافي لإفشال رسائل "الإسلاموفوبيا" التي يبثها صانعو مثل تلك الأفلام والرسوم بمخيلتهم المريضة.
 
العالم الإسلامي يريد أن تعتذر هذه الدول رسميا عن الإساءة إلى الإسلام ورسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم)، ولكننا ننسى أن هذه الأفلام ليست من إنتاج دول، كما أنها في الحقيقة ليست أفلاما، فالفيلم الأخير الذي أثار مساحة غضب لم نشهدها من قبل هو أقرب إلى مقدمة رديئة لفيلم لم يتم استكمال تصويره.

الغرب متربص بالإسلام ويعتبره العدو الحقيقي، بعد سقوط الشيوعية في العالم كله كان لابد من البحث عن عدو فلم يجدوه إلا في الإسلام.. قد تعثر على شيء من الصحة في تلك الإجابة ولكنها ليست هي كل الأسباب.. لماذا لا نكون صرحاء مع أنفسنا وقبل أن نرى القشة التي في عيون الآخرين نرى الخشبة التي في عيوننا.

ربما كان صحيحا بنسبة ما أن هناك من يتربص بالعرب والمسلمين، ولكن الجزء الآخر من الحقيقية هو أن هناك تقصيرا منا، وأن هناك لبسا لدى الغرب في حقيقة الإسلام، وأن عمليات الإرهاب التي تلصق بالإسلام في أوروبا وأميركا وغيرها تقدم صورا مزعجة جدا عن الإسلام، وتشوش لدى المتلقي الغربي الرؤية لهذا الدين السمح، وهذا ما يجب تغييره من خلال الفعل الثقافي.

ما الذي فعلته الأموال العربية في الفضاء الإعلامي والثقافي العالمي، هذه "الميديا" الجبارة التي تتيح لنا أن نقدم أنفسنا للعالم، وأن نقدم قيم الإسلام الكريمة العادلة، وعظمة رموزنا الدينية

الرسالة التي غالبا ما تصل إلى الآخر هي أن الإسلام دين عنيف وانتشاره قائم على السيف وأن الجلد وقطع الأطراف هي عقوبات صارمة جدا تقام بمجرد الشبهات وليس اليقين، وأن الإسلام يكفر الأديان الأخرى، وأغلب الأجانب لا يعرفون عن الإسلام سوى أنه يسمح للرجل بالزواج من أربع نساء في وقت واحد.. تلك هي الصورة الذهنية التي ترسخت لدى الآخر عن شخصية بعض المسلمين أنهم "إرهابيون" من الذين فجروا البرجين في أميركا أو أحرقوا المترو في بريطانيا أو إسبانيا.

وفي المقابل ما الذي فعلته الأموال العربية في الفضاء الإعلامي والثقافي العالمي، هذه "الميديا" الجبارة التي تتيح لنا أن نقدم أنفسنا للعالم، وأن نقدم قيم الإسلام الكريمة العادلة، وعظمة رموزنا الدينية. لو راجعت القنوات الفضائية التي أنشئت في السنوات العشر الأخيرة على كثرتها فسوف تجد أنها أظهرت صورة "الإسلام المتشدد".

أخرج مصطفى العقاد فيلم "الرسالة" قبل 32 عاما وقدم خدمة كبيرة للدين الإسلامي بالغرب وظل من بعدها يحلم بأن يخرج فيلمه "صلاح الدين الأيوبي" ولم تتحمس الحكومات العربية ولا الأثرياء العرب لإنتاج هذا الفيلم رغم أن اسم مصطفى العقاد وحده كان يكفي لكي تفتح أمامه كل الأبواب، والغريب أن مصطفى العقاد يرحل على إثر عملية انتحارية قام بها متطرفون فى الأردن فى فندق يحمل اسم القدس.

على الجانب الآخر نكتشف أن مصر لم تسمح بعرض فيلم الرسالة على شاشة التلفزيون إلا منذ أربعة أعوام فقط.. بسبب ظهور شخصية "حمزة بن عبد المطلب" عم الرسول (صلى الله عليه وسلم) التي اعترض الأزهر الشريف على تجسيدها. لا شك أن هذا الفيلم قدم وجها صحيحا وحقيقيا للإسلام.

أيضا اعترض الأزهر ولا يزال على مسلسل "عمر" الذي عرض في شهر رمضان الماضي وشاهده أغلب المسلمين في أنحاء المعمورة نحو مليار مسلم وكان من الضروري أن يرى العالم أجمع عدالة سيدنا عمر وأن نشاهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لأول مرة على الشاشة. هذه هي الأسلحة الناعمة التي نملكها في أيدينا، وعلى المؤسسات الدينية مثل الأزهر الشريف أن تتحلى بالمرونة الكافية التي تتواءم مع مستجدات العصر لكي نصل بهذه الأعمال الفنية إلى العالم.

أتمنى أن تتسع رؤيتنا إلى العالم لأن هناك من لديه رؤية تصب لصالح إسلامنا، ولكنها تحتاج منا إلى أن نقرأ زاوية رؤيته. عندما قدم المخرج الأميركي الشهير "ريدلي سكوت" فيلمه "مملكة الجنة"  قبل سبع سنوات وكان يتبنى رؤية منصفة للإسلام أثناء الحروب الصليبية على القدس.

وكان سكوت حريصا من خلال شخصية "صلاح الدين الأيوبي" التي أداها الممثل السوري "غسان مسعود" على أن يشاهد العالم الوجه المتسامح للإسلام، ولكننا لم ندرك أهمية الفيلم لنا وتجاوزنا تلك النظرة التي تتسم بالصدق التاريخي لشخصية صلاح الدين الأيوبي وللإسلام حيث إن صلاح الدين الأيوبي بوصفه قائدا ومسلما كان محافظا على عهوده ولا يبدأ العدوان أبدا، لكنه يرد العدوان وكان إنسانا نبيلاً يرسل إلى عدوه طبيبه الخاص لكي يعالجه من مرض الجذام.

المظاهرات وإشعال الحرائق وقتل الآخرين قد تفرغ شحنة الغضب، ولكنها أبدا لا تحسم المعركة التي أراها ثقافية بالدرجة الأولى

تجاوزنا كل ذلك وتساءلنا كيف يرى المخرج أن القدس هي مملكة الجنة وأنها عاصمة لكل الأديان والأعراق والألوان؟ ولم يقل إنها عاصمة لفلسطين فقط.. لم نتفق سياسيا مع المخرج وهذا من حقنا ولكننا لم ندرك الوجه الآخر للصورة، والأهم هو تقديم صورة منصفة للإسلام تأتي من خلال مخرج أميركي تحكمه معايير وأفكار وزاوية رؤية واقتناعات فكرية مختلفة عنا.

من حقنا أن نتحفظ سياسيا على الفيلم، ولكننا في نفس الوقت لا ننسى أن من حق الفيلم علينا أن نشيد برسالة نحن أحوج ما نكون إليها في الفيلم السينمائي لمخرج شهير يشاهده عشرات الملايين في أميركا والعالم تُظهر أن الإسلام دين لا يرفع فيه سلاح إلا في مواجهة سلاح، وهو دين يعترف بالديانات الأخرى وبحقهم في إقامة العبادات في كنائسهم ومعابدهم.

ولكننا بدلا من أن نسعى لتقديم صورة صحيحة للإسلام نطالب بمقاطعة كل ما هو أميركي وسويدي  ودانماركي. لقد سمعت أحد النقاد وهو يطالب بمنع الأفلام الأجنبية من المشاركة في مهرجانات السينما العربية، معتقدا أن هذا هو طريق المقاومة مثلما حدث مع الكاتب النرويجي الشهير"هنريك أبسن" عندما طالب بعض المثقفين أثناء حملة الغضب ضد النرويج بعدم الاحتفاء بمئويته في مصر والعالم الإسلامي لأنه نرويجي الجنسية وهكذا ندور في دائرة مفرغة.. الإسلام ورسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم) يهاجمان ولا نعرف كيف نحمي ديننا ورسولنا الكريم.

صورة المسلم والعربي تزداد من حولنا تشوها وبعضنا لا يزال يمزق بعضا!! غضب المسلمين فى الدول العربية والعالم الإسلامي رد طبيعي، ولكننا لا نزال نبدد طاقتنا فلن تصدر تشريعات تمنع فيها الدول الأوروبية مثل هذه الأفلام، ولو تصورنا جدلا أنها منعت من دور العرض فسوف تجدها على النت متاحة للجميع، حتى إن أوباما ناشد "غوغل" سحب الفيلم ولم تنجح محاولاته.

والواقع أنه كلما ازدادت الردود الغاضبة ازدادت أيضا كثافة المشاهدة. السلاح الوحيد لدينا هو أن نسارع باقتحام "الميديا" العالمية والعمل على تقديم أعمال فنية ومنجزات ثقافية قادرة على تخطي حواجز اللغة واختلاف الثقافات ليراها العالم ويعرف حقيقة الإسلام.

هذا هو فقط حائط الصد الحقيقي للدفاع عن الإسلام وللتصدي للرسوم والأفلام المسيئة للرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) وللاسلام، أما المظاهرات وإشعال الحرائق وقتل الآخرين، فهي قد تفرغ شحنة الغضب، ولكنها أبدا لا تحسم المعركة التي أراها ثقافية بالدرجة الأولى، وعلينا أن نقتحم الفضاء الإعلامي والثقافي العالمي بكل قوة اليوم وليس غدا لإظهار وجهنا الحضاري والثقافي المشرق وعظمة ديننا ونبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم). 
________________
كاتب وناقد فني مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة