رئيس الحركة الإصلاحية بالسنغال: حزبنا ليس إسلاميا   
الأربعاء 1428/1/13 هـ - الموافق 31/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 9:22 (مكة المكرمة)، 6:22 (غرينتش)

نيانغ: نفتح حزبنا لكل السنغاليين الذين يقتنعون ببرنامجنا (الجزيرة نت)
الحسن السرات-المغرب

تستعد السنغال لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في شهر فبراير/شباط المقبل لكن الشكوك تحوم حول احتمال تأجيلها.

ويخوض غمار هذه الانتخابات لأول مرة حزب الحركة الإصلاحية للتنمية الاجتماعية ذو المرجعية الإسلامية في بلاد ينص دستورها على أنها دولة علمانية.

الجزيرة نت التقت الإمام امباي نيانغ رئيس الحزب في زيارته للمغرب، وأجرت معه مقابلة حول السنغال وانتخاباته ومشاركة حزبه فيها.

وفيما يلي نص الحوار.

في البداية، من هو الإمام امباي نيانغ ولماذا لقب بالإمام؟

ولدت في السنغال وتابعت دراستي الابتدائية فيه، وبعد حصولي برفقة عشرة آخرين على الشهادة الابتدائية أرسلنا إلى المغرب لمتابعة الدراسة الثانوية عام 1969 واخترت الشعبة العلمية وتابعت الدراسة في القرويين وحصلت على البكالوريا العلمية.

وبما أن رغبتي كانت هي التخصص في الطيران المدني فقد انتقلت للدراسة في تونس بمنحة سنغالية حكومية، ومن هناك تخرجت متخصصا في صيانة الاتصالات السلكية واللاسلكية بين الطائرات وأبراج المراقبة في المطارات.

أنت اليوم خبير في الطيران، وإمام بمسجد المطار أليس كذلك؟

بعد العودة إلى السنغال توظفت في وكالة للأمن والطيران المدني عام 1980، ثم صرت مسؤولا في صيانة الأجهزة، وكنا نسكن في حي قرب المطار لكبار الموظفين، وكان سكانه الأولون فرنسيين فقط.

لكن السنغاليين المسلمين بدؤوا ينظمون أنفسهم ويعقدون اجتماعات لإلقاء الدروس والمحاضرات حول الإسلام. ثم تمكنوا من الشروع في بناء مسجد بحي المطار، وأسسوا جمعية إسلامية سميت "جمعية الثقافة الإسلامية" انفتحت على جميع زعماء الطوائف الدينية من أجل المساندة والدعم، وذلك ما حصل.

عندما أوشك المسجد على التمام سأل رئيس الدولة آنذاك سنغور -وهو مسيحي- عن هذا البناء، ولما علم أنه مسجد أصدر تعليمات بإيقاف بنائه، فتوقف لمدة غير أن المشرفين على بناء المسجد اتصلوا بالزعماء الدينيين الذين ضغطوا على الرئيس لإتمام البناء.

والعجيب أن الحل أتى من مهندس مسيحي كان يقطن بالحي نفسه، حيث قال للرئيس إن في الحي كنيسة للمسيحيين فكيف لا يكون فيه مسجد للمسلمين؟! واكتمل بناء المسجد وأطلق عليه حتى بعد الاكتمال اسم المسجد غير المكتمل. فالمسجد إذن بناه المسلمون المثقفون ثقافة فرنسية ولكنهم يحبون دينهم.

"
أهم مبادئنا أن السنغال لا يمكن أن يتقدم إلا بربط حاضره مع ماضيه
"
كيف أصبحت إماما إذن؟

عندما عملت موظفا بالمطار انضممت إلى جمعية الحي، وأصبحت مسؤولا عن اللجنة الثقافية، وكنت أدرس اللغة العربية والدين الإسلامي لزملائي في العمل وفي الجمعية، ولهذا عينوني إماما للمسجد وخطبة الجمعة بالمسجد باللهجة المحلية بكيفية لم تكن معهودة من قبل. وكنت أتطرق إلى مختلف القضايا بما فيها القضايا السياسية وأوجه انتقادات حادة إلى الحكومة السنغالية.

أما زلت إماما إلى اليوم؟

نعم ما زلت إماما إلى اليوم. وهناك شيء مهم جدا لا بد من ذكره، وهو أننا وسعنا من جبهة عملنا ودعونا مختلف التيارات والمجموعات الدينية للمشاركة في المحاضرات والأنشطة، وكونا كتلة سميناها "تجمع الجمعيات الإسلامية"، وكان مسجد المطار هو مقر هذه الكتلة. فمسجد المطار قام بدور كبير في تقوية وتجميع الإسلاميين السنغاليين.

ثم صارت الكتلة من القوة بحيث تتخذ بعض المواقف من قضايا داخلية وقضايا العالم الإسلامي، فنظمت مثلا مظاهرات حول قضية فلسطين، وأخرى لمساندة شعب البوسنة وأفغانستان. وكانت لنا مظاهر كبيرة جدا ضد الكاتب سلمان رشدي ضمت حوالي 20 ألف شخص.

هل تضم الكتلة أيضا الصوفية وهم كثر في السنغال؟

المظاهرة الكبيرة ضد سلمان رشدي ترأسها خليفة الطريقة التجانية بالسنغال الشيخ عبد العزيز سيه. وهناك تداخل كبير بيننا وبينهم، كما أن هناك الطريقة المريدية والطريقة القادرية.

هل يمكن القول إن حزبكم السياسي "الحركة الإصلاحية للتنمية الاجتماعية" خرج من رحم هذه الكتلة الإسلامية المتنوعة؟

نعم هذا القول صحيح. لقد عشنا معا مدة عشرين عاما ونحن نعمل في المجتمع المدني. تناولنا قضايا كثيرة وكانت لنا مواقف مشتركة من كل ما يحدث في البلاد.

مشاركتنا بدأت هكذا، وفي كل محطة سياسية وانتخابية كنا نطلب من الأحزاب السنغالية أن تتبنى مطالبنا شريطة أن ندعمهم بأصواتنا، لكن لم يستجب لنا أي حزب، إلا مرة واحدة فقط مع حزب قريب منا، لكنه لم يتقدم إلى الانتخابات.

ماذا فعلتم بعد ذلك؟

فكرنا في إنشاء حزب يتيح لنا الدخول في الساحة السياسية ويتبنى مطالبنا ويناضل من أجل تحقيقها.

ومن أهم مبادئنا أن السنغال لا يمكن أن يتقدم إلا بربط حاضره مع ماضيه، ومع الأسف الأحزاب التي تحكم السنغال لا تعطي أي اعتبار لهذا الأمر، كل المذهبيات التي يعتمدون عليها هي مذهبيات مستوردة من الخارج. فهناك فارق بين هؤلاء وبين الشعب السنغالي.

في سنة 1986 شكلنا كتلة جعلت من مهامها التفكير في الحركة الإسلامية بالسنغال ووضعها ومكتسباتها ومستقبلها.

لم نكن في البداية نفكر في حزب سياسي، كانت المحطة لجرد الحصيلة والحساب. ثم تولدت فكرة إنشاء الحزب خلال هذا التفكير، فقمنا بتأسيسه مع مراعاة القوانين الجاري بها العمل.

ففي السنغال ينص الدستور على علمانية الدولة، كما ينص على منع قيام أحزاب على أساس ديني، سواء كان إسلاميا أو مسيحيا.

هناك من حاول قبلنا تأسيس حزب على أساس إسلامي لكن رفض منحه رخصة العمل والتأسيس. ففكرنا في أن يكون حزبنا مفتوحا لجميع السنغاليين، ومبنيا على مذهبية تعتمد على المعطيات التاريخية والوقائع الاجتماعية، لأنه لا يمكن أن نتكلم عن تاريخ السنغال دون أن نتناول البعد الإسلامي.

والإسلام دخل إلى السنغال منذ القرن التاسع وهناك من يقول في القرن الثامن، أي في زمن مبكر. والإسلام انتشر بحرارة وسرعة في السنغال وصار هو حياتهم طيلة تاريخهم قبل مجيء الاستعمار، وكانت اللغة العربية هي لغة التواصل ولغة الثقافة، وهناك علماء سنغاليون بارزون كتبوا مؤلفات في الدين والأدب والعلوم باللغة العربية منذ عهد قديم.

وهناك جامعات كبيرة أسست مثل جامعة القاضي عمر فال في بير سنة 1660 تقريبا وكانت معروفة جدا وتخرج منها جل شيوخ وزعماء الطرق الصوفية السنغالية، ولعبت دورا كبيرا في نشر الإسلام ومقاومة الاستعمار الفرنسي، وكانت لها مكتبات كثيرة جدا قام الفرنسيون بحرقها. أسسنا الحزب وقدمت لنا الرخصة في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2000.

"
حزبنا الآن يحتل مكانة مرموقة في الساحة السياسية ونحظى باحترام الفرقاء السياسيين ولدينا مكانة لدى الشعب السنغالي
"
سنة 2000 تسمونها في السنغال سنة التناوب السياسي العظيم، لماذا؟

لأنه منذ أن حصل السنغال على الاستقلال عام 1960 كان يحكمه الحزب الاشتراكي الذي ترأسه ليوبول سيدار سنغور ثم عبدو ضيوف، وتقهقرت البلاد وأصبح الفقر عميقا جدا والبطالة عالية جدا، وصار هناك وضع مخيف في مختلف المجالات، ولم تكن الانتخابات التي أجريت طوال هذه الفترة شفافة، إلا في سنة 2000. قبيل هذه السنة كان الجو مشحونا جدا، و كانت النفوس مهيأة للانفجار وأطلت الفتن برأسها.

ولكن كان هناك رجل عسكري عينه عبدو ضيوف للإعداد للانتخابات والإشراف عليها. وللإنصاف فقد قام هذا الرجل بدور مهم جدا بصفته وزيرا للداخلية، إذ كان يقول لضيوف إن الانتخابات ستكون شفافة وإن الناس لن يصوتوا لك، ولم يكن ضيوف ينصت لأي أحد سوى هذا الرجل، وتأكد ضيوف من أن الناس يكرهونه وكان تصويتهم عقابا له.

وفاز عبد الله واد الذي مثل أمل السنغاليين في التغيير والإصلاح. لكن خيبة الأمل عادت بعد كل هذه السنوات التي حكم فيها عبد الله واد ولم يحقق شيئا مما كان يعد به وينتظره الناس منه وأصبح الوضع أسوأ مما كان عليه من قبل.

هل ترون أن الأوضاع الحالية هي لصالح فوز حزبكم في الانتخابات القريبة؟

بعد خمسة أشهر من تأسيس الحزب، شاركنا في الانتخابات البرلمانية عام 2000، و كانت النتائج مشجعة، لأن خطابنا السياسي كان جديدا، وكان الشعب ينتظر خطابا كهذا.

المشكل أننا لم تكن لدينا إمكانيات في ذلك الوقت للحضور في كل مكاتب التصويت وكل أنحاء السنغال، حصلنا على الرتبة السادسة من بين 26 حزبا في العاصمة دكار، وفي النتائج النهائية تراجعنا إلى الرتبة 16 لأننا لم نحصل على أصوات السنغاليين بالخارج، وفي الانتخابات المحلية قدمنا 8 مرشحين في 8 محلات و فزنا بمقعد في كل محل. فأنا مثلا مستشار في مجلس دكار.

حزبنا الآن يحتل مكانة مرموقة في الساحة السياسية ونحظى باحترام الفرقاء السياسيين ولدينا مكانة لدى الشعب السنغالي.

الملاحظ أن حزبكم يضم من ينطق بالعربية ومن ينطق بالفرنسية، هل هذه ميزة لحزبكم فقط، أم ظاهرة سنغالية؟

لا. هي ظاهرة فريدة في حزبنا، فالفرنكوفونية هي الغالبة على جميع الأحزاب في السنغال، ولمخاطبة المعربين ينشئون شعبة خاصة بهم، وتحرمهم الأحزاب من المشاركة في لوائح الانتخابات، وهم مهمشون، لكننا لم نفعل ذلك والجميع عندنا سواء، وهذا أمر ورثناه عن الحركة الإسلامية التي يعمل الجميع ضمنها. 

هل في حزبكم مسيحيون؟

نعم.

على الرغم من أنكم حزب إسلامي؟

لا. حزبنا ليس إسلاميا، رغم أن إيديولوجيته مستمدة من الدين ومن تاريخ السنغال، نحن نأخذ بعين الاعتبار أن بلدنا مكث فيه الاستعمار قرابة ثلاثة قرون، واستطاع التنصير أن يغري كثيرا من السنغاليين، وهذه الحقيقة نعترف بها وتفتح حزبنا لكل السنغاليين الذين يقتنعون ببرنامجنا ورؤيتنا وخطابنا.

وفي الانتخابات السابقة صوت لنا مسيحيون سنغاليون. والمسيحيون السنغاليون المنخرطون في حزبنا بدأ انخراطهم عبر مسيحي كان يشتغل معي بستانيا في منزلي.

وعندما رآني في برنامج تلفزيوني قال لزوجته إذا كان هذا الرجل زعيما للحزب فسوف أنضم إليه، وهذا على الرغم من مسيحيته. وفي الغد دعاني برفقة إمام القرية لزيارتها وذهبت وأسسنا خلية للحزب هناك، وصار المسيحي رئيسها. في السنغال يمكن أن تجد في الأسرة الواحدة المسلم والمسيحي متعايشين بدون مشاكل ولا نعرات طائفية.

"
حزبنا ليس إسلاميا، رغم أن إيديولوجيته مستمدة من الدين ومن تاريخ السنغال، ونفتح حزبنا لكل السنغاليين الذين يقتنعون ببرنامجنا ورؤيتنا
"
لا شك أن الأطراف الخارجية الغربية تراقب عن كثب ما يجري في السنغال، خاصة الأطراف الاستعمارية القديمة والجديدة، أقصد تحديدا فرنسا والولايات المتحدة المتصارعتين على النفوذ بأفريقيا. فهل أنتم تحسبون حسابا لهذه الأطراف؟ وما علاقتكم بها؟

طبعا، نحن نأخذ هذا بعين الاعتبار، ولا يمكن للإنسان أن يعيش في عالم اليوم في جزيرة منعزلة، وقد قمت شخصيا بزيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية وأسست خلية للحزب هناك. وقد زارني المستشار السياسي للقنصل الأميركي ودعاني إلى القنصلية، وقد تحدثنا عن الحزب وهويته ورؤيته للسنغال. فعلاقاتنا بالأميركيين لا بأس بها. أما الفرنسيون فلا علاقة لنا بهم.

كيف وهم مستعمرون سابقون؟

في الحقيقة، في نيتنا أن نزور السفارة الفرنسية للتحادث حول السنغال وفرنسا، ونحن لا نعتبر الفرنسيين أعداء لنا أو خصوما، بل يمكن العمل معهم حفاظا على مصالحهم ومصالح السنغال أيضا. نحن لا ندعو إلى إيجاد سد منيع بيننا وبين غيرنا، نريد العمل مع الكل مع الحفاظ على شخصيتنا ومصالحنا.

هل تنوون التقدم للانتخابات الرئاسية المقبلة في السنغال، وهل أنتم شخصيا ستتقدمون لمنافسة عبد الله واد الرئيس الحالي؟

في مؤتمرنا لشهر أبريل/نيسان 2006 قررنا المشاركة في الانتخابات الرئاسية وعينت مرشحا رئاسيا للحزب في الانتخابات المقبلة التي حدد لها تاريخ 25 فبراير/شباط 2007. ولنا لائحة يرأسها الكاتب العام أحمد يانسو للمشاركة في الانتخابات البرلمانية.

وكان الضمان المالي هو مليونا فرنك أفريقي في الانتخابات البرلمانية و6 مليون للانتخابات الرئاسية، وقد رفعه الرئيس الحالي إلى 40 مليون (25 مليون للرئاسية و15 مليون للبرلمانية)، ويقال إنه رفع الضمان لوضع حاجز مالي أمام الأحزاب التي قد تنافسه. وإذا لم يحصل الحزب أي مقعد في البرلمان يفقد الضمان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة