أطفال مكفوفون يرسمون ببصيرتهم في الأردن   
الخميس 2/9/1436 هـ - الموافق 18/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 21:18 (مكة المكرمة)، 18:18 (غرينتش)

تامر الصمادي-عمّان

لم يثنه فقد البصر عن تلمس طريقه نحو فضاءات من الإبداع والتميز، متخطيا حواجز كثيرة، ومتغلبا على إعاقته.

وطارق خميس (11 عاما) واحد من عشرات الأطفال المكفوفين أو الذين يعانون مشاكل بصرية، انخرطوا في برنامج أطلقته الأكاديمية الملكية للمكفوفين في العاصمة الأردنية، بعنوان "قارئ اللون"، والذي مكنهم من دخول عالم الألوان والرسم، معتمدين على حاسة الشم والقدرة على التخيل.

والرسم عندهم ليس لهوا طفوليا، فهم يبحثون عن أنفسهم فيما يرسمون، فيرسمون صورا مريرة عن واقعهم، لكنهم أيضا يرسمون الفرح والأمل.

ويقول طارق -الذي فقد بصره في سن الثالثة- "لم أتوقع يوما أن أكون قادرا على رسم ما أريد، وأن أعرف الألوان دون أن أراها، أو أنني سأعتمد على نفسي دون الحاجة إلى الآخرين".

وأضاف للجزيرة نت "في البداية واجهت صعوبة كبيرة بإدراك الألوان، لكن مرة تلو أخرى، باتت التجربة تأخذ طابعا سهلا".

طارق: أريد تحقيق الفائدة لنفسي وللأطفال الذين يعانون مثلي (الجزيرة)

شم الألوان
ومضى يقول "ألوّن لوحاتي عن طريق حاسة الشم، ولكل لون دلالة، فالأصفر يذكرني برائحة الليمون فأرسم به الشمس، والأحمر يذكرني برائحة الطماطم وأرسم به الورود، والبني برائحة القرفة البرية فأرسم به القرود وسيقان الأشجار وأشياء أخرى، والأخضر يأخذني لرائحة النعناع وبه أرسم الأعشاب والأشجار، أما اللون البرتقالي فيذكرني برائحة البرتقال فارسم به السمكة والسيارة ووجوه الناس".

ويمتلك طارق إنسانية مضاعفة تجاه غيره من الأطفال المكفوفين، وأمنيات لا يخالطها الشك، ويشير إلى ذلك بالقول "سوف أصبح رساما متميزا عندما أكبر، وأريد تحقيق الفائدة لنفسي ولغيري من الأطفال الذين يعانون مثل مشكلتي".

وفي المعرض الذي يحتضن نحو سبعين لوحة من رسومات الأطفال المكفوفين، كانت الطفلة أسيل بشار (9 سنوات) تجلس على طاولة الرسم متشبثة ببقايا بصر بات يؤذن بالرحيل، باحثة بألوانها عن فرح وأمل، حتى لو كان ممزوجا بمعاناة وألم.

ويقول أهلها إنها مهددة اليوم بفقدان كامل بصرها، بعدما فقدته جزئيا، إثر إصابتها بضغط العين. وتقول أسيل بصوت يغلب عليه الحزن "أحلم بإقامة معرضي الفنيّ الأول قبل أن أفقد بصري نهائيا".

رسومات من معرض قارئ اللون في عمان (الجزيرة)

وللطفلة دانية البسومي (8 سنوات) التي تعاني مشاكل بصرية مستعصية قصة أكثر إيلاما، فقد انخرطت في "قارئ اللون" كما قالت للجزيرة نت وهي قيد العلاج من مرض السرطان، وأضافت، "توجهت للرسم كي أقوى على تحمل جرعات العلاج الكيميائي وأتجاهل المرض".

وحرصت دانية على القول بألم وأمل "أحب رسم الأميرات، وأتمنى أن أرسم أكثر، وأشارك في معارض أخرى، قبل أن أفقد بصري بالكامل".

ويأمل القائمون على البرنامج بالحصول على دعم لفكرتهم وتوفيرها لأكبر عدد من المكفوفين في الأردن والمنطقة العربية.

بقاعين: حاولنا من خلال هذه التجربة تلوين القلوب والعقول والبصيرة (الجزيرة)

الإعاقة والطاقة
ويقول المشرف على البرنامج، وهو الرسام الأردني المعروف سهيل بقاعين "حاولنا أن نخرج بمفهوم جديد يتمثل في تحويل الإعاقة الى طاقة، ومطلوب من المؤسسات أن تدعم الفكرة لتكون بصمة عربية في ظل ما تعيشه المنطقة من تعتيم وحروب مزعجة غير ملونة".

وتابع للجزيرة نت "كانت تجربة فريدة، حاولنا من خلالها تلوين القلوب والعقول والبصيرة بألوان قوس قزح، وتحويل الإعاقة إلى طاقة لونية".

ويؤكد متخصصون أن مثل هذه التجارب من شأنها تحويل الظلام إلى نور والحلم إلى حقيقة.

ويرى استشاري الأنف والأذن والحنجرة عاصم العمري أن تدريب المكفوفين على الرسم من خلال حاسة الشم "تجربة تستحق الإعجاب والتقدير".

وقال للجزيرة نت إن "حاسة الشم قد تكون بالأهمية نفسها عندما يجري الحديث عن نعمة الإبصار، وذلك من خلال ربط الألوان بروائح معينة حتى يتسنى للطفل الكفيف تمييزها".

ويوجد في الأردن نحو خمسين ألف مكفوف، بينهم نحو ثلاثة آلاف طفل، يطالب المعنيون بزيادة الدعم المقدم لهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة