سويديون يمحون آثار العدوان على مسجد بالزهور   
الخميس 14/4/1435 هـ - الموافق 13/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 11:47 (مكة المكرمة)، 8:47 (غرينتش)
صورة للمركز الإسلامي والمسجد الكبير في ستوكهولم (الجزيرة نت)

جورج حوراني-ستوكهولم

كل شيء يوحي بالهدوء والطمأنينة في محيط المسجد الكبير بوسط العاصمة السويدية ستوكهولم بعد أسابيع قليلة على تعرضه -مطلع شهر يناير/كانون الثاني الماضي- لعملية اعتداء من قبل مجهولين أقدموا على تخريب أبوابه الرئيسية، وكتابة عبارات معادية ورسومات لصلبان معقوفة ترمز إلى النازية الجديدة، في اعتداء أثار موجة عارمة من ردود الأفعال لا تزال تتوالى في مختلف الأوساط السويدية. 

فالمسجد هو القلب النابض للمجتمع المسلم السويدي، يمور بالحركة في مثل هذا اليوم الاعتيادي من أيام الأسبوع.

وتكاد ترى في وجوه القادمين لتأدية صلاة الظهيرة علامات الرضا والإيمان تشع منها لتعكس مدى تمسكهم بدينهم وثقافتهم، في وقت يكثر فيه الحديث عن موجة جديدة من الإسلاموفوبيا والعنصرية بحق الأقليات من أصول عربية ومسلمة في بلد صار لهم وطنا بديلا بعدما تركوا أوطانهم الأم بسبب الأزمات والحروب والضائقات الاقتصادية.  

الحادث ليس الأول من نوعه، فالعام الفائت شهد سلسلة من الاعتداءات على عدد من المساجد ودور العبادة للمسلمين في أنحاء مختلفة في السويد -البلد الأوروبي الذي يمتاز بسياسة الانفتاح واحترام الأديان- كان آخرها الاعتداء الذي طال مسجد ستوكهولم.

ردود أفعال
الجزيرة نت قصدت المركز الإسلامي في ستوكهولم -والذي يضم المسجد الكبير- والتقت محمود الخلفي مدير المركز وإمام المسجد للوقوف على رأي الجالية في ما يخص استهداف دور العبادة للمسلمين، لا سيما بعدما بلغت هذه الاعتداءات ذروتها على أيدي مجموعات سويدية متطرفة تنتمي إلى ما بات يعرف بالنازيين الجدد.

رئيس المركز الإسلامي وإمام المسجد الكبير في ستوكهولم محمود الخلفي (الجزيرة نت)

في إحدى طبقات ذلك المبنى الأثري -الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام ١٩٠٤- يستقبلك الخلفي بابتسامة تعكس يقينا لدى الزائر بأن هذه الأعمال العدائية -التي تقف وراءها أقلية عنصرية- لن تنال من عزيمة أبناء الجالية على اندماجهم الإيجابي والمحافظة على هويتهم الدينية والثقافية.

يبدي الخلفي ارتياحه لردود الأفعال المستنكرة لتلك الاعتداءات من كافة المستويات الرسمية والشعبية، لا سيما في أوساط السويديين من غير المسلمين.

ويقول في ذلك "لعل ما يبعث على الاطمئنان في نفوسنا ورود مئات الاتصالات والرسائل التي تشجب هذه الاعتداءات، ومن بينها ما بادرت به مجموعة من السكان الأصليين من وضع باقات من الزهور في الأمكنة نفسها من المسجد والتي تعرضت للتخريب".  

ويوضح الخلفي أن السكان أرادوا بهذه المبادرة التأكيد على أن هذا الاعتداء -الذي ينم عن كراهية- سيزيد من عزم الشريحة الكبرى من السويديين على نشر ثقافة التسامح والاحترام بين الأديان "التي هي ركيزة أساسية من ركائز النظام العلماني في السويد".

ونظمت عدة جمعيات شبابية وحقوقية الأسبوع الفائت تظاهرة في وسط العاصمة انضم إليها الكثير من السويديين من غير المسلمين للتنديد بهذه الممارسات العنصرية التي تعكر استقرار وأمن المجتمع السويدي.

رشيد: الواقع بالسويد تغير كثيرا (الجزيرة نت)

ولعل الزائر للمدينة يلمس لدى العديد من أبناء الجالية المسلمة في السويد مخاوف حقيقية من انتشار هذه العنصرية الجديدة على نطاق أوسع في أنحاء مختلفة من البلاد.  

ويعبر غونير كايهان -وهو شاب من أصول تركية نشأ وترعرع في ستوكهولم- عن هواجس جيله من الشباب، ويقول للجزيرة نت "بصراحة لم أفاجأ كثيرا بما حدث، فلدى البعض نيات سيئة تجاه المسلمين والمهاجرين عموما".

ويضيف "لقد شعر أفراد عائلتي بالغضب حيال ذلك، خصوصا أن الشرطة لا تفعل كل ما بوسعها لوضع حد لهذه الاعتداءات".

لكن ثمة من يرى الأمر بمنظار مختلف. يقول رشيد من أصول مغربية أن الواقع هنا تغير كثيرا عما كان عليه في السنوات الماضية، فهذه المضايقات تجاه العرب والمسلمين -كما يرى- ليست بالأمر الجديد، "وعندما يحدث شيء ما -على سبيل المثال- تكثر الاتهامات بحق المهاجرين".       

مسجد فتية
وأعرب الخلفي عن ثقته بجدية السلطات السويدية في ملاحقة محرضي ومرتكبي هذه الاعتداءات وإنزال العقوبات بحقهم بموجب القانون السويدي الذي يعاقب بشدة على جرائم العداء الديني على الأقليات رغم أنه يكفل كل أشكال حرية التعبير.

العام الماضي شهد سلسلة من الاعتداءات على عدد من المساجد (الجزيرة نت)

غير أنه مع ذلك لم يخفِ حقيقة أن العداوات ضد المسلمين والمضايقات تفاقمت حدتها في الآونة الأخيرة، فقد تعرض مسجد فتية -والذي يقع على بعد حوالي عشرين كلم جنوبي العاصمة- إلى تكسير عدد من النوافذ وإلقاء قطع من لحم الخنازير بداخله، كما سجلت عدة مناطق في السويد حوادث لمضايقات لفظية أو جسدية ضد المرأة المسلمة بسبب لباسها.  

وأعاد الخلفي إلى الأذهان حوادث وصفها بالمؤلمة طبعت مسيرة اندماج الجالية المسلمة في المجتمع السويدي ليس آخرها موجة الاضطرابات التي حدثت عام ٢٠٠٨ في بعض مدن جنوب البلاد التي تقطنها نسبة عالية من السكان المهاجرين.

وعزا ذلك إلى سماه القهر الاجتماعي، وفشل السياسات الحكومية في دمج مجموعات المهاجرين، والحد من نسب البطالة.

وكشف إمام مسجد ستوكهولم عن شروعهم بتطبيق خطة لتوفير سبل الأمن والحماية تشمل وضع أجهزة وكاميرات مراقبة في محيط وباحة المركز الإسلامي.         

وقال إن المركز الإسلامي والمسجد يؤديان دورهما في خدمة أبناء الجالية في الأمور الدينية والقضايا الاجتماعية، كعقود الزواج التي تتجاوز مائتي عقد في السنة.

وأضاف أن نحو ألفي مصلٍ يرتادون المسجد كل أسبوع لأداء صلاة الجمعة فيه، كما يشهد المركز زيارات دورية  للطلبة السويديين من غير المسلمين للتعرف على الدين الإسلامي.  

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة