روسيا 2007: تكريس لزعامة بوتين واستنفار ضد الغرب   
الأحد 1428/12/20 هـ - الموافق 30/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 18:07 (مكة المكرمة)، 15:07 (غرينتش)

بوتين يتبنى سياسة القبضة القوية (الفرنسية-أرشيف)


عدي جوني

 

يعتبر العام 2007 عاما مشهودا بالنسبة لروسيا وحافلا لهذه البقعة من العالم التي يرى العديد من المراقبين أنها بدأت تستعيد في ظل الرئيس فلاديمير بوتين خطابا تصادميا مع الغرب استثار المخاوف من احتمال عودة أجواء الحرب الباردة.

 

بيد أن ذلك ما كان ليحدث لولا وجود عوامل مساعدة مكنت روسيا من تصويب مسارها والصعود من الهاوية، كان في مقدمتها شخصية الرئيس بوتين نفسه الذي أعاد ترتيب البيت الروسي من الداخل اقتصاديا وسياسيا -خلال ولايته الدستورية الأولى التي قطف ثمارها يانعة خلال العام الجاري- وانعكاسات ذلك على صعيد السياسة الخارجية.

 

داخليا

لعل من أبرز المفارقات التي أفرزتها أحداث العام 2007 على الصعيد الداخلي الروسي أنها أسست -بشكل صريح لا يقبل الجدل- مفهوم قوة الزعيم، ما جعل المراقبين يربطون روسيا باسم بوتين مباشرة كونه القائد أو القيصر الجديد.

 

كما أطلقت عليه مجلة التايم الأميركية تيمنا بالقيصر "بطرس الكبير أو العظيم" الذي يصفه التاريخ الروسي "بموحد روسيا"، مع الإشارة إلى أن بوتين لم يخف إعجابه اللامحدود بهذه الشخصية التاريخية رغم تاريخه الشخصي كواحد من رجالات الاتحاد السوفياتي السابق الذي قام على أنقاض النظام القيصري.

 

واستنادا إلى تكريس مفهوم الزعامة البوتينية، ليس مستغربا أن أنصاره وضعوه في مصاف "المخلص" كونه الرئيس الذي نجح خلال ولايته الدستورية الأولى (2000-2004) في ترتيب البيت الروسي ووقف الهزات الارتدادية التي تلت زلزال انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي وما تبعها من سياسات متخبطة لسلفه الراحل بوريس يلتسين.

 

وتمكن بوتين -باعتراف العديد من المراجع الدولية بما فيها تلك التي لا تشاطره الود- من تأسيس قاعدة شعبية عريضة قطف ثمارها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بفوز حزبه "روسيا الموحدة" بأغلبية كاسحة جعلته بمنأى عن منغصات تشكيل حكومة ائتلافية وما يتبع ذلك من تنازلات ومساومات، وهو ما يعطيه الشرعية لمواصلة سياساته السابقة دون تردد.

 

من المظاهرات الموالية للرئيس بوتين (الفرنسية-أرشيف)

غير أن هذه القاعدة الشعبية للرئيس بوتين لم تأت من فراغ بل من عوامل عديدة، أولها تحسن الوضع الاقتصادي الروسي لا سيما مع ارتفاع أسعار النفط.

 

وثانيها تحكم روسيا في صادرات الغاز إلى أوروبا عبر دول مجاورة مثل أوكرانيا وروسيا البيضاء، وبأسعار عادت على الخزينة الروسية بفوائد كبيرة ساهمت في استقرار الروبل الروسي أمام العملات الأجنبية.

 

هذا الأمر منح بوتين القدرة على رفع المستوى المعيشي للمواطن مقارنة مع فترة يلتسين، رغم تصدر موسكو خلال العامين السابقين لائحة أكثر المدن غلاء في العالم.

 

ولم يعد خافيا أن بوتين -الذي أتقن لعبة براغماتية المصالح التي أطلقها الغرب- وظف هذا التطور الاقتصادي ليكسب دائرة عريضة من المناصرين أوصلت حزب "روسيا الموحدة" الذي يتزعمه إلى برلمان الدوما بأغلبية جارفة.

 

ولعل ترشيح حزب روسيا الموحدة لميدفيديف -المعروف بولائه المطلق لبوتين- إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجرى في مارس/ آذار المقبل، يؤكد الإشارات التي تطلقها موسكو يوميا بأنها ماضية في سياساتها.

 

فالمرشح الرئاسي ميدفيديف -الذي يتوقع أن يصل إلى الكرملين بأصوات مؤيدي بوتين- لم يتردد في الطلب من الأخير استلام مهام منصب رئيس الوزراء، ما يدفع إلى القول إن بوتين سيبقى الحاكم الفعلي لروسيا لمدة أربع سنوات قبل أن يستعيد منصب الرئاسة مرة أخرى عام 2012 كما هو متوقع, إلا إذا جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.

 

خارجيا

بالنسبة للسياسة الخارجية، تستحق روسيا أن تنال لقب "مالئة الدنيا وشاغلة الناس للعام 2007" لارتباطها المباشر بعدد من الملفات الساخنة ابتداء من الملفات الإقليمية مثل قضية إقليم كوسوفو إلى الملف النووي الإيراني مرورا بالشرق الأوسط، وصولا إلى ملفات تصادمية مع الولايات المتحدة مثل الدرع الصاروخي في أوروبا الشرقية والتسلح واتفاقية القوات التقليدية في أوروبا، وانتهاء بمجموعة من التحالفات الإقليمية مثل تجمع شنغهاي.

 

فلا يختلف اثنان على أن موسكو استعادت نبرتها العالية التي تنم عن خطاب تصادمي مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، في تطور قد لا يرقى -بحسب بعض المراقبين- إلى مستوى التبشير بحرب باردة جديدة، لكنه على الأقل يعلن عودة روسيا لاعبا أساسيا على الساحة الدولية.

 

فعلى الصعيد الإقليمي الضيق فرضت روسيا سياسة واضحة المعالم مع جاراتها (من دول الاتحاد السوفياتي السابق) تعتمد أسلوبا يقوم على عدم المهادنة رغم المصطلحات الدبلوماسية المنمقة.

 

وأكبر مثال على ذلك علاقاتها مع أوكرانيا وجورجيا في ظل حكومتيهما المدعومتين من الغرب واللتين جاءتا إلى السلطة انطلاقا من رفض التبعية لروسيا ورغبة في تأسيس نظام "ديمقراطي حسب المعايير الأوروبية" أكثر قربا وانسجاما مع أهداف السياسة الأميركية في هذه المنطقة.

 

ولعل ملابسات سقوط الصاروخ على جورجيا

التي قالت إن طائرة روسية أسقطته في الشطر الخاضع لها من أبخازيا ونجاح موسكو في وقف المحاولات الأميركية والغربية لنقل الملف إلى مجلس الأمن، أكبر دليل على الموقف الروسي الرافض لأن تكون ساحته الخلفية مكشوفة لتقلبات الأجواء السياسية، أو مسرحا لمحاولات الناتو للتوسع شرقا إلى دول كانت في عهدة الاتحاد السوفياتي السابق وتشكل لموسكو عازلا أمنيا لا يمكن لها أن تفرط فيه بيسر وسهولة.

 

ومع توسيع المنظور الجغرافي لهذه المسألة، تقف قضية إقليم كوسوفو علامة بارزة لقدرة روسيا على التأثير في المسرح الإقليمي والدولي مع تهديدها العلني بالفيتو أمام مجلس الأمن لإحباط محاولات الغرب للدفع نحو استقلال الإقليم من طرف واحد، الأمر الذي سيجعل من هذه القضية واحدة من أهم القضايا اشتعالا في إطار العلاقات الروسية الأميركية من جهة والعلاقات الروسية الأوروبية من جهة أخرى خلال الفترة المقبلة.

 

يضاف إلى ذلك أن روسيا عندما أعلنت عودتها إلى الأجواء البعيدة عبر قاذفاتها الإستراتيجية وإلى المتوسط والأطلسي عبر بحريتها التي تمتلك عددا من الغواصات النووية، رفعت سقف الخطاب إلى مستوى عملي يمس بشكل مباشر منظومة التوازن الإستراتيجي الدولي الذي تتربع واشنطن على ناصيته منذ أكثر من 15 عاماً.

 

ورغم تعليقات بعض المراقبين بالقيمة العملية المحدودة من الناحية العسكرية لهذا القرار نظرا إلى مستوى وكفاءة القوات المسلحة الروسية مقارنة بما كانت عليه زمن الاتحاد السوفياتي السابق، قرأ كثيرون الموقف على أنه تمهيد لعودة روسية قوية إلى المسرح الدولي يطمئن الحلفاء ويقلق الخصوم من أن النظام العالمي أحادي القطب في طريقه إلى التشظي نحو ثنائية محكومة بمفهوم التوازن بعد غياب قسري منذ سقوط جدار برلين وتفكك الدولة السوفياتية.

 

وما يعزز هذا الاعتقاد أنه جاء مترافقا مع تعليق روسيا عضويتها في اتفاقية القوات التقليدية الأوروبية التي يعتبر رفض دول حلف الأطلسي المصادقة عليها ثمنا لخسارة موسكو الحرب الباردة.

 

يشار إلى أن موسكو التي حاولت كثيرا طمأنة الغرب من أن تعليق عضويتها لا يشكل تهديدا مباشرا ضد أي جهة، أكدت في الوقت نفسه أنها لا تضمن ألا يكون ذلك التعليق مقدمة لسباق تسلح جديد في المنطقة التي تمتد من مرتفعات الأورال شرقا إلى الأطلسي غربا ضمن سقوف حددتها الاتفاقية المعدلة عام 1999.

 

دبلوماسية المجاملات لم تساعد على تخفيف التوتر بين واشنطن وموسكو (رويترز-أرشيف)

وتبدو الصورة أكثر وضوحا مع اكتمال الدرع الصاروخي الذي تنوي واشنطن إقامته في التشيك وبولندا، لا سيما في ظل تهديدات أطلقتها موسكو بأن الاستمرار في هذه الخطة يعني سباقا للتسلح النووي وتوجيه الصواريخ الروسية إلى أهداف أوروبية.

 

تجدر الإشارة هنا إلى أن بوتين عند وصوله إلى السلطة عام 2000، رسم لروسيا عقيدة نووية جديدة تقوم على نسف المبدأ السوفياتي القديم القائم على مبدأ "عدم المبادرة باللجوء إلى السلاح النووي"، وذلك تعويضا عن ضعف القوات التقليدية الروسية.

 

ولا يتردد مراقبون في القول إن العام 2007 بالنسبة لروسيا هو "عام بوتين" على صعيد تكريسه زعيما يعيد إنتاج روسيا القوية داخليا وخارجيا وعكس عقارب الساعة إلى ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وربما إلى أبعد من ذلك، وصولا إلى روسيا في عهد القيصر بطرس العظيم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة