الانتفاضة.. أسست للدولة أم أحكمت الخناق على الفلسطينيين؟   
الجمعة 1426/8/27 هـ - الموافق 30/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 0:45 (مكة المكرمة)، 21:45 (غرينتش)

هل كان الانسحاب من غزة ثمرة لخمس سنوات من الانتفاضة (الفرنسية-أرشيف)

رانيا الزعبي

تدخل الانتفاضة الفلسطينية الثانية عامها السادس في ظل تغييرات عديدة طرأت على المشهد السياسي الفلسطيني، من أبرزها سحب إسرائيل لقواتها العسكرية من قطاع غزة، وغياب الرئيس الراحل ياسر عرفات.

وهي أحداث لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها حسب رأي المحللين، خاصة أن البعض يرى بأنها قد تكون بداية لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي برمته وتأذن بنهاية الانتفاضة، فيما يخشى آخرون بأن تكون سببا لتأجيج الصراع وشحذ جذوة الانتفاضة من جديد.

والسؤال الأبرز الذي يفرضه الواقع السياسي المعقد هو هل يعد هذا التغير إنجازا لانتفاضة الفلسطينيين؟، أم استحقاقا سياسيا في إطار تسوية سياسية ترعاها اللجنة الرباعية؟ أم نجاحا سياسيا جديدا لتل أبيب؟.

عوامل ومسببات
ولا يختلف المحللون بأن الانتفاضة لعبت دورا مهما في قرار حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بسحب قوات الجيش الإسرائيلي من غزة، في محاولة لوضع حد للخسائر اليومية بالأروح والأموال التي كانت تلحق بالدولة العبرية جراء الانتفاضة.

الانتفاضة كبدت إسرائيل خسائر بالأرواح والأموال (رويترز-أرشيف)

ويذهب آخرون للتأكيد على أن الانسحاب ما كان ليتم لولا غياب عرفات، الذي جعلت تل أبيب وواشنطن من وجوده عقبة في وجه أي تسوية سياسية، بل أن البعض لا يتردد بالربط بين مرض عرفات وموته الغامضين، وبين الرغبة العالمية بإنهاء الصراع السياسي بالمنطقة.

وحسب رأي المحلل السياسي عبدالله الحوراني فإن هناك اختلافا جوهريا بين سياسة عرفات وخليفته محمود عباس "فالأول لم يصدر في يوم من الأيام قرارا بإطلاق المقاومة أو وقفها، بل كان يمسك الورقتين معا، ليستخدمهما في الظرف السياسي الملائم"، بينما اختار عباس منذ البداية خيار التسوية السياسية.

ويعتقد الحوراني بأن غياب زعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين وخليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ساهم أيضا بالتغيير الذي طرأ على الواقع السياسي الفلسطيني، وذلك ليس "لأن ورثتهم لا يؤمنون بفكرهم بل لأن الظرف السياسي الجديد فرض عليهم إحداث تغيير بمواقفهم".

ويخالف المحلل السياسي إبراهيم الدقاق هذا الطرح، ويرى أن غياب عرفات أثر إيجابيا على الواقع الفلسطيني، تمثل بزوال قبضة الرجل الواحد، مما ساعد ببروز دور سياسي أقوى لفصائل المقاومة الفلسطينية بوجه الاحتلال.

ومع أن الكثيرين ينظرون للانسحاب على أنه "نصر" فلسطيني، إلا أن هناك وجهة نظر مغايرة تعتبره "نجاحا" سياسيا لإسرائيل.

وحسب وجهة النظر هذه فإن إسرائيل كسبت الرأي العام إلى جانبها من خلال الانسحاب، واستطاعت أن تكسر جدار المقاطعة المفروض عليها من قبل العديد من الدول العربية والإسلامية، مقابل انسحابها من منطقة معقدة ديموغرافيا، تنذر يوميا بولادة مئات القنابل البشرية، وبالمقابل ضمنت صمت العالم على جدار العزل الذي خنقت به معظم مناطق الضفة الغربية.

ويشير الحوراني إلى أن إسرائيل أعطت نفسها من خلال انسحابها المنفرد حق صياغة المشروع السياسي وفرضه على العالم.

هل يعقب الانسحاب من غزة انسحابات أخرى (الفرنسية-أرشيف)

بداية أم نهاية
وكان من اللافت للنظر الفرق بالتعامل العالمي والعربي بين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وبين الانسحاب من غزة.

ففي الوقت الذي هلل فيه الجميع للأول باعتباره تحريرا للجنوب اللبناني، جاءت ردة الفعل بما فيها الفلسطينية تجاه الثاني باردة إلى حد بعيد.

ويفسر المراقبون هذا البرود بأن الفلسطينيين لا ينظرون للانسحاب على أنه بداية لتحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، أو أنه أنسحاب سيؤدي لدولة فلسطينية مستقلة.

بل إن الدقاق يؤكد أن الانتفاضة والانسحاب زادا من صعوبة الوصول إلى الدولة الفلسطينية، لأنهما زادا من حالة "الاصطفاف" داخل إسرائيل بين ما يسمى الصهيونية الدينية واليمين العلماني اللذين يرفضان أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وبين الحركات اليسارية التي تدعو لتسوية وفقا لمصالح إسرائيل، مشيرا إلى أن كفة ميزان القوى في سلطة الحكم بإسرائيل تميل لصالح الطرف الأول.

ولا يخف آخرون قلقهم من أن يكون الانسحاب من غزة تأكيدا لسياسة "غزة أولا وأخيرا" مشيرين إلى الشروط التي وضعتها حكومة شارون للانسحاب مجددا من أي أرض فلسطينية والمتمثلة بقدرة السلطة الفلسطينية على إثبات أهليتها في السيطرة على غزة، وتجريد فصائل المقاومة من سلاحها، ويأخذ هؤلاء في اعتبارهم كل الأزمات التي افتعلتها إسرائيل بغزة منذ انسحابها للإثبات للعالم بأن الفلسطينيين غير مؤهلين ليكون لهم دولة ذات سيادة.
________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة