دخول دمشق بين غوطة محررة وأخرى محاصرة   
السبت 1435/3/18 هـ - الموافق 18/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 22:00 (مكة المكرمة)، 19:00 (غرينتش)
طوابير من المدنيين أمام أحد الأفران في دمشق (الجزيرة)

علاء الدين عرنوس-دمشق

من أين ندخل دمشق الشام؟ أندخلها فاتحين من أحد أبوابها العشرة أم متسللين من أقنية أنهارها السبعة؟ أمِن طريق درعا مهد الثورة أو من حمص عاصمتها؟ الطريق إلى دمشق هذه الأيام طريقٌ إلى الجنة، وزائرها اليوم واحد من اثنين: إمّا صحافي يفتش عن قضية وإما نازح يبحث عن مأوى، وكلاهما هدف شرّعته الفوضى الدائرة. قل لي من أين أتيت؟ أقل لك من أنت.

دخول دمشق يعني المرور بإحدى غوطتيها المشتعلتين، يوماً فيوماً حلقة النار تضيق بعد أن باتت نيران المعارضة تصل وسط العاصمة المزدحم بقذائف الهاون، والاشتباكات تدور بين كر وفر على أطراف العباسيين فالقابون وصولاً إلى برزة.

برفقة اثنين من عناصر كتيبة صقور الشام للمهام الخاصة، تصل سيارتنا إلى منطقة بساتين كفرسوسة ليتولى مهمة توصيلنا شابان آخران سيراً على الأقدام بين البساتين في رحلة تجاوزت الساعتين وسط عتمةٍ حالكة.

يتساءل زميلي المصوّر عن المسافة التي تفصلنا عن دمشق بعد طول مسير, فيجيب أحد الشابيّن بضرورة خفض أصواتنا والزحف نحو الجهة المقابلة من الطريق بأكبر سرعة ممكنة. عشر دقائق من المسير الإضافي ونحن معصوبي الأعين، نصعد إلى طابق علوي ونحن لا ندري بعد إن كان بوسعنا أن نتساءل.

حديث الثورة
يفك دليلنا المرافق العصائب، بضعة ثوار يستقبلوننا بوجوهٍ باسمة وعشاء دمشقي متواضع قبل أن يبدأ "حديث ثورة" يطول حتى ساعات الفجر الأولى في حضرة أبو خلدون الميداني (72 عاماً) وهو تاجر أقمشة دمشقي من أسرة عريقة تفرّغ للعمل الثوري بعد مقتل أحد أبنائه في معركة الميدان العام قبل الفائت.

الطوابير الطويلة مشهد يتكرر في أغلب شوارع دمشق، صفوف لا تنتهي في محطات الوقود والمخابز ومواقف الحافلات ومحال البقالة، رغم ارتفاع الأسعار حتى الضعفين، تجد البضائع القليلة من يشتريها على مضض

يتطرق أبو خلدون أوضاع دمشق قائلاً: إذا كنت تبحث عن قصة فاصعد إلى قاسيون، وسترى من هناك ما لم يفعله نيرون بروما، حرب النظام علينا ليست صواريخ ودبابات ومدافع وحسب، إنهم يمحون هويتنا التاريخية، إنهم طائفيون.

ويضيف: الطوابير الطويلة مشهد يتكرر في أغلب شوارع دمشق، صفوف لا تنتهي في محطات الوقود والمخابز ومواقف الحافلات ومحال البقالة، رغم ارتفاع الأسعار حتى الضعفين، تجد البضائع القليلة من يشتريها على مضض، وبالنسبة لمناطق كالمزة ٨٦ فالأسعار على حالها، إذ تحولت السوق الدمشقية لمصدر ربح وفير يحصده التجار المحسوبون على النظام وفق شروط وأسعار التجار أنفسهم.

مقدمة أبو خلدون الميداني هي مقدمة أي ثائر يتحدث إلى الكاميرا، تبدأ بالخذلان والخيبة ولا تنتهِ عند حدود تقرير مختصر، وفي التفاصيل جراح أكبر تتسع مع كل خطوة بين زواريب وحارات دمشق. نبيت فجر الأحد 5 يناير/كانون الثاني 2014 على وقع أصوات اشتباكات قالوا إنها من داريّا القريبة بينما نصيحة أبو خلدون بصعود قاسيون تتحول إلى مشروع زيارة لا بدّ منها، وإن طال السفر.

جيش الأسد
بعكس رحلتنا، بالنسبة للشاب خالد (18 عاماً) ابن حي الميدان الدمشقي، تشكل مغادرة المدينة التحدي الأكبر له في ظل انتشار 300 حاجز أمني ونقطة تفتيش على مداخل العاصمة ومخارجها، يطمح هذا الشاب في الالتحاق بكتائب الجيش الحر بعد أن أصبح متخلفاً عن تأدية الخدمة الإلزامية وفق القوانين السورية.

يقول خالد للجزيرة نت: انشقّ أخي الأكبر عن القوات النظامية في مطلع أيلول 2012 والتحق بصفوف الثوار في حمص، قبل أن تنقطع أخباره منذ شهرين، وفيما نخشى من أي سوء قد أصابه نتواصل مع الكتائب العاملة هناك لمعرفة مصيره.

تحتقن دمعةً في عيني خالد ويتابع بنبرة حادة: أتفهم حجم المرارة والحزن لدى أمي فهي لا تريد أن تفقد ابناً آخر، لن ألتحق بجيش الأسد، الجيش السوري مليشيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة