الصين واليابان يجمعهما الاقتصاد وتفرقهما السياسة   
الثلاثاء 10/3/1426 هـ - الموافق 19/4/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:09 (مكة المكرمة)، 13:09 (غرينتش)

صينيون يعبرون عن غضبهم من تجاهل اليابان لفظائع ارتكبتها في بلادهم (الفرنسية)

عزت شحرور-بكين

كما كان متوقعا لم تنجح زيارة وزير الخارجية الياباني نابوتاكا ماتشيمورا إلى بكين في تقليص هوة الخلاف ووقف التدهور في العلاقات بين البلدين.

تعابير وجه الوزير الياباني ومضيفه الصيني خلال محادثاتهما وحرصهما على عدم تمكين وسائل الإعلام من التقاط أي صورة تظهرهما مبتسمين أو متصافحين عكس عمق الأزمة بين الجانبين.

المحادثات اقتصرت على كيل الاتهامات وتحميل كل طرف المسؤولية للطرف الآخر في العديد من القضايا مثار الخلاف، والأكثر من ذلك فشلهما في الاتفاق على لقاء قمة كان متوقعا بين الرئيس الصيني خو جين تاو ورئيس الوزراء الياباني جونيشيرو كيوزومي على هامش اجتماعات القمة الآسيوية في جاكرتا خلال الأيام القادمة.

قضية اعتماد اليابان مناهج دراسية تاريخية تقول بكين إنها تزوير للتاريخ وطمس لحقائقه لم تكن سوى الشرارة التي فجرت الأوضاع وأدت إلى اندلاع لهيب مظاهرات غاضبة عمت مختلف المدن الصينية طالبت بمقاطعة البضائع اليابانية وتخللتها أعمال عنف طالت السفارة اليابانية ومنزل سفيرها وقنصلياتها في المدن الصينية بقذفها بالحجارة والزجاجات الفارغة والقمامة شأنها شأن العديد من المصالح اليابانية كالشركات والمطاعم.

موجة العداء لليابان ليست وليدة اللحظة بل متأصلة في الوجدان الصيني وتعود جذورها إلى تاريخ أليم من الاحتلال الياباني للصين أواسط القرن الماضي سقط خلالها أكثر من 20 مليون ضحية ومثلهم من الجرحى والمصابين، وكان أبرزها مذبحة مدينة نانجينغ جنوبي الصين عام 1937 والتي ذهب ضحيتها أكثر من 300 ألف قتيل وفق الإحصاءات الصينية، ناهيك عن فظائع أخرى يصعب محوها من الذاكرة الصينية وسط إصرار أبناء الجيل الذي عايش مرارتها والذين مازالوا على قيد الحياة على رواية فظائعها للجيل الجديد.

ورغم بشاعة التاريخ وما تعرض له الصينيون وبعض الشعوب الآسيوية الأخرى من فظائع على يد القوات اليابانية منتصف القرن الماضي لا يقتصر الخلاف الصيني الياباني على التاريخ فقط بل على الحاضر والمستقبل أيضا.

فمنذ وصول كويزومي إلى رئاسة الوزراء عام 2001 وإصراره على زياراته السنوية المتكررة إلى ضريح ياكوسوني الذي يضم رفات محاربين ومجرمي حرب يابانيين أجج موجة العداء تجاه اليابان لدى الصينيين والكوريين الذين يعتبرون هذه الزيارات استفزازا لمشاعرهم القومية.

تلك الزيارات شكلت بداية التدهور الحقيقي في العلاقات بين طوكيو وبكين ودفعت بعض أعضاء البرلمان الصيني إلى اقتراح اعتبار النصب التذكاري لمذبحة نانجينغ ضريحا قوميا تؤمه القيادة الصينية سنويا ردا على زيارات المسؤولين اليابانيين إلى ضريح ياسوكوني.

محادثات وزيري خارجية البلدين فشلت في تطويق موجة العداء (الفرنسية)
وزاد من حدة التدهور ترويج اليابان لما بات يعرف بنظرية الخطر العسكري الصيني ومعارضة قيام الصين بزيادة موازنتها العسكرية ومطالبة الاتحاد الأوروبي بعدم رفع حظر تصدير السلاح الذي يفرضه على بكين منذ 15 عاما، وما تبعه من دخول غواصة صينية إلى المياه الإقليمية اليابانية في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي والاتفاق الأميركي- الياباني في فبراير/ شباط الذي اعتبر تايوان جزءا من الأهداف الإستراتجية الأمنية بين طوكيو وواشنطن. وإمعان طوكيو بتحدي بكين بدعوة رئيس تايوان السابق لزيارة اليابان.

يضاف إلى ذلك احتدام التنافس على مصادر الطاقة بين الجانبين في بحر الصين الشرقي وعلى جزر دياو يو المتنازع عليها، ونجاح طوكيو بإقناع موسكو بمد خط أنابيب نفط من روسيا إلى اليابان بدلا من خط اقترحته الصين إلى أراضيها وكانت توليه أهمية إستراتيجية كبيرة.

ثم يأتي إعلان اليابان مؤخرا نيتها وقف مساعدات التنمية الاقتصادية إلى بكين التي بدأتها عام 1980 وتقدر بنحو مليار دولار سنويا الأمر الذي اعتبرته الصين محاولة للضغط عليها اقتصاديا. بالإضافة إلى طلب اليابان عضوية مجلس الأمن الدولي وما يثيره ذلك من قلق لدى بكين التي ترى فيه محاولة للحد من نفوذها الإقليمي.

لكن رغم كل هذا التدهور في العلاقات بقي العامل الاقتصادي أكثر العوامل نموا واستقرارا حيث نجحت الصين العام الماضي بتجاوز الولايات المتحدة لتصبح أكبر شريك تجاري لليابان، كما باتت اليابان ثالث أكبر شريك تجاري للصين بعد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ووصل حجم التبادل التجاري بين طوكيو وبكين ما يقارب 180 مليار دولار.

وهذا ما جعل بعض المراقبين يرجحون أن مستقبل العلاقات بين الجانبين سيبقى محكوما بشعرة الاقتصاد التي يتفق الجانبان على ضرورة إبقائها موصولة.




_____________
مراسل الجزيرة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة