الفلسطيني أبو سفاقة.. المسحراتي المقعد   
الخميس 11/9/1434 هـ - الموافق 18/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 18:17 (مكة المكرمة)، 15:17 (غرينتش)
يوقظ وليد سقافة (يسار) وناصر رضوان الصائمين للسحور في طولكرم منذ 22 عاما (الجزيرة)

عاطف دغلس- نابلس

بينما يضرب أحدهما على دفه، يصدح صوت الآخر مناديا "يا نايم وحّد الدايم" و"غفلان إصحَ وقوم وحِّد الرحمن" و"عباد الله وحدوا الله"، علّ مستجيبا لهذه النداءات أخذته غفوة نوم كادت تضيّع عليه سحور يومه.

وفي زمن بات فيه كل شيء يُنبّه الإنسان ويوقظه من نومه بدءا من الساعة وانتهاء بالهواتف الخلوية، ظلت مهنة المسحراتي حاضرة بكل قوتها ومكانتها، وفي فلسطين كان هذا الحضور له طعم آخر مع المسحراتي وليد أبو سفاقة (46 عاما) وصديق دربه ناصر رضوان (37 عاما) من مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية.

ففي أزقة المدينة وحواريها وحتى الضواحي القريبة المحيطة بها، يتنقل المسحراتي أبو سفاقة على كرسيه المتحرك مناديا بأعلى صوته، بينما يكتفي صديقه ناصر بحمل الطبل والقرع عليه.

وأصيب المسحراتي أبو سفاقة نهاية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1989 برصاصة لقوات الاحتلال -التي كان مطلوبا لها- في ظهره، نتج عنها شلل نصفي أقعده عن الحركة، وزاد قسوة الحياة عليه خاصة بعد استشهاد اثنين من أشقائه.

يقول أبو سفاقة للجزيرة نت إنه لجأ إلى هذه المهمة قبل 22 عاما حبا لها وليس كوظيفة أو تكليف من أحد، حيث بدأ بها عقب إصابته بنحو عامين، مشيرا إلى أن إيقاظ الناس على السحور عمل شعبي يرقى إلى الحفاظ على تقليد من التراث الفلسطيني بدأ ينقرض.

وسائل الاعلام تستغل عمل أبو سفاقة
لإجراء لقاءات صحفية معه
(الجزيرة)

مسحراتي المدينة
وتبدأ المهمة قرابة الساعة الثانية بعد منتصف الليل لتستمر حتى الرابعة فجرا، يتنقل خلالها المسحراتي ومساعده بين الأحياء المختلفة، وقد يصل بهما المطاف إلى ضواح قريبة من المدينة تبعد نحو أربعة كيلومترات، في حين يقطعان ضعفي المسافة داخل أحياء المدينة.

وينطلق الصديقان للعمل بعد أن يتناولا طعام السحور في منزليهما، إلا أن قليلا من الماء وبعض حبات التمر لا تعيق المهمة، وتبقيهما على قوتهما وعزيمتهما في خدمة مواطني المدينة الذين يتجاوز تعدادهم الثمانين ألف نسمة.

ولا يخلو الأمر من الأجواء الجميلة واللطيفة التي تصاحب المسحراتي أبو سفاقة وصديقه كما يقول، وخاصة فيما يتعلق بتقديم الحلوى المختلفة لهم من المواطنين دلالة على حبهم وتقديرهم للدور الذي يقومون به، ويتسابق المواطنون -وخاصة الأطفال- لمرافقتهم ولو لوقت قصير في عملهم والتقاط الصور التذكارية معهم، في حين لا تُفوّت وسائل الإعلام هذه الفرصة كي تلتقيهما.

ويُضفي على عملهما جمالا أنهما الوحيدان اللذان يمارسان هذا العمل في المدينة، لكنهما بالوقت نفسه يواجهان معيقات تتمثل في انزعاج البعض من صوت الطبل، إضافة إلى الاحتلال الذي تكثر توغلاته واعتداءاته بشكل شبه يومي في المدينة دونما رادع أو مانع.

ناصر رضوان (يمين) يرافق أبو سقافة
طيلة 22 عاما
(الجزيرة)

رفيق الدرب
أما ناصر رضوان -صديق أبو سفاقة- فقد أحب هذه المهنة وأحب أكثر مرافقة صديقه عبر 22 عاما من العمل المتواصل، كما يقول.

ويضيف للجزيرة نت أنه يشعر بسعادة كبيرة جدا في عمله، لكن ما يؤرّقه أن الوضع قبل عشر سنوات كان مختلفا، "إذ ساء الوضع الاقتصادي وتبعته الحالة الاجتماعية للناس وباتت فرحتهم منقوصة".

ويحاول أبو سفاقة تحدي الأصحاء، ويحاول تجاوز الواقع المرير الذي يعانيه هو وأمثاله من ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع الفلسطيني وقلة الاهتمام بهم ومنحهم حقهم في التوظيف، وبعدما تحقق حلمه بحصوله على كرسي متحرك، يأمل الحفاظ على تقليد "المسحراتي" كإرث فلسطيني أصيل.

ووفقا لإحصائيات رسمية فإن أكثر من 87% من أصل 300 ألف نسمة من ذوي الإعاقة في فلسطين، لا يعملون ويفقدون حقهم في الحصول على حصتهم من الوظيفة الحكومية والمقدرة بـ5%.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة