"عام السد" بين مصر وإثيوبيا   
الاثنين 7/2/1435 هـ - الموافق 9/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:51 (مكة المكرمة)، 11:51 (غرينتش)
  إثيوبيا تعتزم بناء عدد من السدود الأخرى على النيل الأزرق إلى جانب سد النهضة (الفرنسية)

مجدي مصطفى
 
من "عام الفيل" الذي قاده أبرهة من الحبشة إلى مكة لهدم الكعبة قبل 1488 عاما إلى "عام السد"، حيث العنوان الأبرز في العلاقات المصرية الإثيوبية في العام 2013 كان "سد النهضة" الذي تعتزم إثيوبيا بناءه على النيل الأزرق الرافد الأكبر لـ"النهر الخالد".

ليس من قبيل المبالغة القول إن آثار مثل هذا السد في حال بنائه، إلى جانب سدود أخرى تعتزم إثيوبيا بناءها، لا تقل خطورة على مصر عن الهدم، فهي تعني الموت البطيء لـ"هبة النيل" التي قامت حضارتها وتعيش حاضرها وتبني مستقبلها على نهر النيل.

فمصر أكثر دول حوض نهر النيل كثافة بالسكان، وتنفرد بـ"فقر مائي" نادر، فهي لا تعرف من مصادر المياه العذبة غير النهر، فلا مطر ولا آبار، ومن ثم فالنيل هو شريان الحياة لها، والاقتراب منه يعني تهديدها وشعبها بالموت.

لم يكن تفجير أزمة سد النهضة عام 2013 مفاجئا للمعنيين بلمف المياه وتدفق النهر، لكنه بدا اكتشافا لدى البعض، ونال توظيفا سياسيا -ضمن ملفات أخرى- ضد الرئيس محمد مرسي الذي انقلب عليه العسكر وعزلوه لاحقا.

تعود جذور الأزمة إلى إهمال وتعامي نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك طيلة ثلاثة عقود

حصاد الإهمال
وجذور الأزمة تعود إلى إهمال وتعامي نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك طيلة ثلاثة عقود، حيث أدار ظهره متجها إلى أفريقيا ودول الحوض، متناسيا مجالا حيويا يتعلق بأخطر عناصر الأمن القومي لمصر، وهو النيل.

ومن يطالع التاريخ يدرك كم كانت دول المنبع محل اهتمام دولة مصر التاريخية بدءا من زمن الفراعنة مرورا بالحقب اللاحقة وزمن الفتوحات وصولا إلى مؤسس مصر الحديثة محمد علي.
 
كما يدرك من يطالع التاريخ أيضا كيف انفردت مصر فترة مبارك بهذا الإهمال الذي ستطول آثاره التي يصعب تداركها، ليس فقط مع إثيوبيا ولكن أيضا مع عدد غير قليل من دول الحوض التي لم تعد تقبل بالاتفاقيات التاريخية التي تحدد حصصها من مياه النهر.

ورغم كثرة ما قيل، يظل الغائب عن مياه النيل وسد النهضة أكثر من الحاضر، مما يجعل جانبا ليس هينا من الحديث المتاح يدخل في باب الثرثرة والاستسهال الإعلامي، الذي يتجنب استقصاء الحقائق مفضلا التعامل مع مثل هذه الملفات التي تقع في الصميم من قضايا الأمن القومي بـ"التوك شو".

  أي من دول الحوض لم تحقق الحد الأدنى للاستفادة من المتاح لها من حصة "النهر الخالد"
"

الحقائق المُرة
والحقيقة الأولى الجديرة بالذكر هنا هي أن دول الحوض التسع تشترك جميعها في التخلف والأزمات بدرجات مختلفة، ولا يمكن استثناء أي منها، سواء دول المنبع أو العبور أو المصب، وتنعكس تلك الحقيقة على نمط تعاملها مع أطول أنهار العالم، وطرق استغلالها للمتاح قبل المزيد الذي تطمح لكسبه.

والثابت أن أيا من تلك الدول لم تحقق الحد الأدنى للاستفادة من المتاح لها من حصة "النهر الخالد"، وأن أيا منها لم تحقق الاكتفاء الذاتي من حاجاتها الغذائية، وهذا دليل إدانة لها، ويكفي أن عددا منها بات عرضة للمجاعات الموسمية التي أصبحت أمرا معتادا ومشهدا مألوفا.

ويزاحم التاريخ تأمل الحقائق التي صاغتها الجغرافيا فيظهر أن الخلَف كانوا أقل وعيا ومهارة وخيالا سياسيا وتنمويا في التعامل معها من السلف الغارق في العنتريات والحديث التآمري والاستقواء بالخارج.

وتحمل الحقائق الحالية المتعلقة بهذا الشريان الحيوي إدانات للجميع، ويكفي التذكير بأن نسبة 5% فقط من إيرادات هذا الشريان المائي هي التي يتم استغلالها من إجمالي إيرادات النهر من المياه البالغة 1666 مليار متر مكعب، فأين يذهب الباقي إذن؟ وكيف يٌستغل؟ وهل حققت تلك الدول الاستغلال الأمثل للمتاح حتى تطلب المزيد؟

 الحوار يظل الطريق الأمثل لاحتواء الأزمة والخيار الأقرب لأطرافها، لكن شواهد الواقع وفشل الدعوات للحوار الداخلي بالمشهد السياسي المصري المأزوم لا تنبئ بقدرة على حوار الآخر بالشروط العادلة

استعادة الوعي
ولما كان الأمر يتعلق بترويض الأنهار لإقامة مشاريع تنموية، منها ما يتعلق بتوليد الطاقة أو استصلاح الأراضي، فإنه يتطلب أن تتجه الأنظار إلى نهر الكونغو الذي يدفع بفائض مائي إلى المحيط الأطلسي يبلغ ألف مليار متر مكعب سنويا.

ويتطلب مشروع بهذا الحجم وعيا بالحاضر واستشرافا للمستقبل، يترجم في إرادة سياسية حقيقية تلتقي عليها دول الحوض، لتحوّل هذا الحلم -الذي يبدو مستحيلا عند البعض- إلى حقيقة ملموسة يجني الجميع ثمارها بدلا من انتظار الفقر المائي الآتي لا محالة، الذي ستكون أوخم عواقبه على مصر حيث يتكدس سكانها في الوادي ودلتاه حول النهر الذي يعدّ شريان الحياه الوحيد بالنسبة لهم.

صرف الطاقات نحو التفكير في المستقبل بصورة جماعية يعود بالنفع لدول الحوض جميعا، يبدو الأصعب في المشهد الذي يدار بعقلية اعتادت الأزمة والتأزيم، أو أخرى اعتادت التفكير الموسمي والسطحي في الأمر، وأخرى تتعامل بمنطق استعلائي يقصي الآخر.

ويظل الحوار الطريق الأمثل لاحتواء الأزمة والخيار الأقرب لأطرافها، لكن شواهد الواقع وفشل الدعوات للحوار الداخلي في المشهد السياسي المصري المأزوم لا تنبئ بقدرة على حوار الآخر بالشروط العادلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة