"المثقفة اليهودية الأخيرة".. فكّر بغيرك   
الاثنين 1432/8/4 هـ - الموافق 4/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:06 (مكة المكرمة)، 14:06 (غرينتش)

غلاف العدد الأخير من مجلة الدراسات الفلسطينية (الجزيرة نت)

"وأنت تحرر نفسك بالاستعارات فكر بغيرك.. ممن فقدوا حقهم في الكلام!"، بهذه الجملة الشعرية للراحل محمود درويش، تنطلق دراسة بعنوان "المثقفة اليهودية الأخيرة.. جوديث بتلر قارئة لسعيد ودرويش"، كتبها الأكاديمي الفلسطيني عبد الرحيم الشيخ في العدد الأخير من مجلة "الدراسات الفلسطينية".

تتجول الدراسة في مفاهيم شتى ومتقاطعة في آن واحد، وتسعى لتفكيك عناصر الاشتراك والافتراق في قضايا متداخلة، مثل "المسألة الفلسطينية" و"المسألة اليهودية"، مستندة لكتابات أسماء كبيرة كالراحلين المفكر إدوارد سعيد والشاعر محمود درويش.

غير أن الدراسة تستند بالتحديد لأفكار الفيلسوفة اليهودية المعادية للصهيونية جوديث بتلر، لتجيب عن مفاهيم شائكة مثل: ما معنى أن يكون المثقف يهوديا؟ أو ما معنى أن يكون اليهودي مثقفا؟ وما معنى مسؤولية المثقف اليهودي عما فعله تأسيس إسرائيل بالفلسطينيين، وأثر ذلك كله في ثقافة الفلسطينيين؟

وتفرد الدراسة حيزا واسعا لحملة المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، في حين اعتمد عبد الرحيم الشيخ -رئيس دائرة الفلسفة والدراسات الثقافية بجامعة بير زيت الفلسطينية- على مقاربات وتكتيكات لتحليل النسيج الثقافي، الذي ولد تقاطعا إشكاليا بين المسألتين الفلسطينية واليهودية، من وجهة نظر منظرة عالمية وفيلسوفة كبيرة كجوديث بتلر.

تنتمي كتابات جوديث بتلر لما يعرف بالتيار اليهودي المضاد للصهيونية.
جوديث بتلر
وتعمل جوديث بتلر أستاذة للبلاغة والأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا، وحازت درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة ييل عام 1984، وهي باحثة تنشط في حقول الفلسفة السياسية والاجتماعية ونظرية الأدب والدراسات الثقافية. ولها عدة مؤلفات منها "مفاعيل الرغبة: تأملات هيجلية حول فرنسا القرن العشرين"، و"معضلة النوع الاجتماعي: النسوية وقلقلة الهوية"، و"الحياة النفسية للقوة"، و"الكلام المستثار".

وخصصت بتلر آخر كتابين لها للحديث عن علاقة الحرب بكل من اللغة والإعلام، وهما: "حياة قلقة مستباحة.. قوى العنف والحداد"، و"أطر الحرب.. متى تكون الحياة مدعاة للأسى؟"، وتعكف حاليا على كتاب عن الأبعاد الفلسفية للدولة الثنائية القومية.

ويشير عبد الرحيم الشيخ إلى أن بذور دراسته وأفكارها الأولية ولدت أثناء زيارة قامت بها جوديث بتلر لجامعة بير زيت، ومدن فلسطينية، في مطلع فبراير/ شباط 2010، موضحا أن بتلر تمثل نموذجا للمثقفين اليهود المناهضين لإسرائيل والداعين إلى مقاطعتها من أجل فلسطين.

وتنتمي كتابات جوديث بتلر لما يعرف بالتيار اليهودي المضاد للصهيونية، وتقدم قراءات نقدية في الثقافة اليهودية داخل أوروبا وخارجها. وكان آمنون راز كراكوتسكين قد دشن هذا التيار الذى يضم أسماء مثقفين يهود بارزين، منهم إيلا شوحط ويهودا شنهاف وجبرئيل بيتربرج، وهم أصحاب رؤى وطروحات تتعامل مع المشروع الاستعماري الإسرائيلي، وإنكاره حقوق الفلسطينيين، بخطاب نقدي صارم.

وكانت جوديث بتلر قد شرعت في حملة للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، حتى قبل أن تبدأ الحملة الفلسطينية، التي تقوم فيها جامعة بير زيت بدور كبير.

المفكر الراحل إدوارد سعيد وصف نفسه بأنه "المثقف اليهودي الأخير" (الفرنسية-أرشيف)
أحلام العودة
ويعود عبد الرحيم الشيخ لحوار مطول مع البروفيسور الفلسطيني إدوارد سعيد أجراه الصحفي الإسرائيلي آرى شافيط، وتحدث فيه عن أحلامه في العودة من المنفى إلى فلسطين، بقدر ما عبر الحوار عن مثقف يقف إلى جانب المغلوبين والمظلومين ويدافع عن مصالحهم.

وعلى حد قول صاحب الدراسة، فإن إدوارد سعيد -الذي لم يأل جهدا في إدانة السياسات الوحشية والفاشية لإسرائيل- هو ذاته الذي وصف نفسه بأنه "المثقف اليهودي الأخير"، كناية عن كونه المفكر الترحالي الذي لا بيت له، والجوال الذي فقد وطنه، وعاش بفكره وله، بقدر ما يعبر عن العلاقة الإشكالية لمثقفي الحقبة المعاصرة بين ولائهم الوطني وعدائهم للاستعمار، وما يتعرضون له من خيارات صعبة في زمن اختلاط المفاهيم، وتقسيم العالم إلى محاور للخير وأخرى للشر.

وأشارت الدراسة إلى مواقف من وصفتهم بالمثقفين العالميين حيال القضية الفلسطينية والممارسات الإسرائيلية الاستعمارية، التي تسهم في تقويض فكرة المحاور، وتفكيك مقولة التكافؤ الفلسطيني أو عدمه بين الفلسطينيين وإسرائيل.

ولعل الدقة الجراحية التي رسمها إدوارد سعيد، في توصيف أخلاقية العمل الثقافي، وحديثه عن "المثقف اليهودي الأخير" -على حد قول عبد الرحيم الشيخ- لا تكتمل إلا بتحديد وجهة البوصلة الأخلاقية للمثقف، في أزمنة التوحش الاستعماري الإسرائيلي.

وهنا يأتي دور الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، ليدشن بميزان من ذهب "معيار أخلاقية المثقف الفلسطيني الأخير". ففي غمرة امتلاء شاشات العالم بالدم الفلسطيني أثناء الاجتياح الإسرائيلي الوحشي للمدن الفلسطينية، في ربيع عام 2002، سجل درويش صرخة تتنكر للحرب، وتضع فلسطين معيارا أخلاقيا أعلى لموقف المثقف من قضية الحرية.

محمود درويش: سنثبت مرة أخرى
أننا الأقوى أخلاقيا (الفرنسية-أرشيف)
الأقوى أخلاقيا
وفي هذا السياق قال درويش "كأنها حرب من أجل الحرب، فلا هدف لها إلا إعادة إنتاج ذاتها مادام الكل يعرف أن السيف عاجز هذه المرة أيضا عن كسر الروح، سنثبت مرة أخرى أننا الأقوى أخلاقيا؛ فلم يبق لنا إلا هذا البرهان.. أما موازين القوى، فستواصل سرد وقائعها خارج المحاجّة الفكرية والقانونية.. لقد أغنانا التلفزيون عن الشرح.. دمنا مسفوك في كل بيت وعلى كل ضمير".

وواصل درويش "ومن لم يصبح فلسطيني القلب منذ الآن لن يتعرف على هويته الأخلاقية بعد الآن، لا لأن القيم والمعاني البائدة -التي أخفاها الاستهلاك الفكري اليومي لعملية سلام خالية من مضموني العدالة والحرية- قد عادت إلى الحياة، بل لأن الإرادة قد تحررت من حساب الربح والخسارة البسيط، ومن تشاؤم الفكر، وحررت المعنى الوحيد لوجودنا الإنساني وهو الحرية".

وبالتناغم مع مقولة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، تبدو مثقفة يهودية كبيرة مثل جوديث بتلر مهمومة بدور المثقف والأكاديمي في تحقيق السلام والعدالة، وإنهاء تاريخ طويل من الاستعمار الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي الوحشي، وتصحيح الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني جراء هذا الاحتلال.

سمسار الدم
وبينما يتوقف مليا أمام أفكار جوديث بتلر، يعيد عبد الرحيم الشيخ -في دراسته المستفيضة- للأذهان مقولات للشاعر الراحل درويش، جاء فيها أن "الصهيوني هو سمسار الدم اليهودي"، وأنه يتعين العمل على تحويل اليهود من ذريعة للصهيونية إلى عبء أخلاقي عليها.

الصهيوني هو سمسار الدم اليهودي
تستدعى بتلر مقولة إدوارد سعيد "عندما تتأمل في اليهودي والفلسطيني مجتمعين كسيمفونية، تجد شيئا مذهلا مفروضا هنا. تجد تاريخا غنيا للغاية، تراجيديا للغاية، وفي نواح كثيرة تجد تاريخا بائسا للنقائض أو المتناقضات. لذا فإن ما نواجهه هنا هو هالة مذهلة لسلسلة من المآسي والخسائر والتضحيات والألم". أما محمود درويش، فقد أكد مرارا على ضرورة جعل الاحتلال دوما أكثر كلفة، ليتحول وعي التخلي عن الاحتلال إلى مصلحة، لا مجرد نوع من التضامن الأخلاقي.

وإذا كان تصحيح الخطأ والخطيئة مهمة النثر والشعر معا، ومهمة المثقف الحقيقي بالضرورة، فلابد أن يلتقي مثقفون بالمعنى الحقيقي للكلمة، كإدوارد سعيد وجوديث بتلر ومحمود درويش، كما يقول عبد الرحيم الشيخ في دراسته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة