دعم التعليم رغم الضغوط الأمنية بقندهار   
الخميس 1432/7/16 هـ - الموافق 16/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 12:36 (مكة المكرمة)، 9:36 (غرينتش)

هدية صغيرة قد تكون دافعا لليتيم لمواصلة مشواره التعليمي (الجزيرة نت)

سامر علاوي-قندهار

أم لثلاثة أيتام، تعيش في منزل مهجور في قندهار لا يوجد فيه ماء، والمصباح الكهربائي الوحيد فيه من الجيران، وتعمل خادمة في المنازل، تعرّض ابنها الثاني فضل الرحمن (15 عاما) لانفجار عبوة ناسفة كانت مزروعة على جانب الطريق فقطعت إحدى رجليه وتعرضت الأخرى لأذى كبير.

ومع ذلك فإنها تكرر بصوت أجش رضاها عن الله تعالى، والدعاء بأن يجنبها الله وأسرتها المعاصي في الدنيا والعقاب في الآخرة، وتقول إنها بالصبر وحده تواجه كل المصائب من الأمراض والبرد والحر وقلة ذات اليد.

وعزاؤها الكبير في تمكن ولديها من الالتحاق بدار الشيخ زايد لرعاية الأيتام في قندهار التابعة لمؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية، بل إنها تقول إن ما أصاب ابنها من إعاقة قبل سنتين قد يكون بسبب حسد الآخرين على نعمة التعليم، وتعبّر عن فرحتها بانضمام ولديها للمدرسة، وهي تقارن حالهما بحال آخرين آباؤهم على قيد الحياة ولم يحصلوا على فرصة للتعليم.

وتضيف أنها لم تعد تشعر بأنهما يتيمان لأنهما يحظيان برعاية مدرسة تعلمهما سبل الهداية، وبحسب قولها لولا المدرسة لاختطفت عصابات المافيا والمخدرات ولديها، وتتمنى أن يكون لها بيت صغير بجانب مدرسة ولديها الواقعة على طريق هرات غربي المدينة.

ولم ترغب أم عبد الرحمن أن تذكر اسمها أو تكشف عن وجهها لكن نبرة صوتها كانت كافية للتعبير عن إرادتها، أما ابناها فليسا أقل منها عزيمة، فكل أمنية فضل الرحمن تنحصر في مواصلة تعليمه حتى الانتهاء من كلية الطب ليصبح طبيبا، وأن تتغير حال أسرته ولو بعد حين.

ويقول وهو يتكئ على أخيه الأكبر إن من حقه أن يختار لنفسه الحياة التي يريدها مثله مثل الآخرين من الأصحاء، وأن يبني مستقبله بنفسه مرتكزا في ذلك على اجتهاده في مدرسته.

وفي أول حفل تخريج أقامته مدرسة الشيخ زايد في قندهار لطلاب الثانوية العامة يوم 14 يونيو/حزيران الجاري تم تكريم فضل الرحمن لتميزه في دراسته بين زملائه، وكانت جائزته بطانية.

وقد تكون الجائزة بسيطة في عرف كثيرين لكنها كانت كبيرة بالنسبة لفضل الرحمن، ليس فقط بسبب حاجته إليها وإنما كذلك باعتبارها دافعا له لمواصلة تعليمه.

تعيش في بيت مهجور لا يوجد به ماء والمصباح الوحيد من الجيران (الجزيرة نت)
أوضاع متردية
تأسست مدرسة الشيخ زايد لرعاية الأيتام عام 2002، وتضم عدة مئات من التلاميذ، وهي المدرسة العربية الوحيدة التي ما زالت تقدم شعلة أمل لأهل قندهار بعد أن اضطرت المؤسسات العربية إلى إغلاق أبوابها طوعا أو كرها بسبب الأوضاع الأمنية المتردية في الجنوب الأفغاني، علاوة على ظلام الجهل والأمية اللذين سادا الجنوب الأفغاني بسبب أكثر من ثلاثة عقود من الحرب.

لقد عمّت موجة تخريب للمدارس وتم حرقها خلال السنوات الأخيرة في الجنوب الأفغاني، لكن مدرسة الشيخ زايد وضعت لافتة ضخمة على طريق قندهار باللغة العربية تتجنب بها أي شبهة من قبل المسلحين بأنها مدرسة تابعة لمؤسسة غربية أو حكومية، كما قال رئيس مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في أفغانستان بشير واصل للجزيرة نت.

ويؤكد واصل أن ما يميز المدرسة هو إجماع أهالي قندهار من مختلف الأطياف على دعمها، بل إن وجهاء المنطقة يطالبون بالمزيد من مثيلاتها، مثل إقامة مدرسة للبنات على غرار مدرسة الذكور, وهو طلب قد يكون غريبا في قندهار حيث إن كثيرين يرفضون إرسال بناتهم للمدارس الحكومية أو الأهلية.

وقال مدير المدرسة محمد برات للجزيرة نت إن أولياء أمور تقدموا لتسجيل أبنائهم في المدرسة، ولكن لوائح المدرسة لا تسمح بتسجيل غير الأيتام فكان ردهم إما أن يقبلوا في هذه المدرسة وإما أن لا يسجلوا في أي مدرسة أخرى.

وأشار إلى أن المدرسة فقدت اثنين من مدرسيها خلال عام وأن عددا من تلاميذها أصيبوا في حوادث عنف متفرقة، ولكن ذلك لم يمنع أهالي قندهار من الاستمرار في دعم المدرسة التي بلغ عدد تلاميذها ما يزيد عن 800 يتيم، متجاوزة الحد المسموح به من المؤسسة التي ترعاها والمحدد في 700 يتيم فقط، وهناك 400 تلميذ غير يتيم يدرسون في الفترة المسائية من أبناء الحي الذي تقع فيه المدرسة.

وإضافة إلى المشاريع الخيرية الكثيرة التي تقوم بها المؤسسة مثل حفر الآبار وتوزيع الطعام على الفقراء خاصة في شهر رمضان، فإن التعليم يعتبر حجر الأساس لهذه المؤسسة في قندهار وعموم أفغانستان.

ويؤكد واصل أن المسؤولين عن حقل التعليم في أفغانستان يعترفون بأن رحيل المؤسسات الخيرية العربية فاقم أزمة التعليم في قندهار والتي تصنف بأنها أحدى أكبر التحديات التي تواجه الحكومة والمجتمع الدولي خاصة في الجنوب وفي أوساط الطبقة الفقيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة