لماذا لا تعيد الانتخابات ليبيا إلى المسار الصحيح؟   
الأربعاء 1439/9/29 هـ - الموافق 13/6/2018 م (آخر تحديث) الساعة 4:04 (مكة المكرمة)، 1:04 (غرينتش)

يبدو تنظيم انتخابات جديدة في ليبيا لتجاوز الانقسامات السياسية والاضطرابات الأمنية المستمرة منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي، الخيار الأمثل للخروج من الوضع المتأزم. بيد أن ذلك يتطلب قهر تحديات كثيرة، وفق ما جاء في مقال لموقع "كونفرسيشن" ومقره أستراليا.

فمنذ 2011 وليبيا غير مستقرة سياسيا عندما أدت الثورة الناجحة ضد نظام حكم معمر القذافي الذي طال حكمه إلى ترك السلطة فارغة.

انتُخبت حكومة انتقالية عام 2012 ولكنها سرعان ما تفككت، ولاستبدالها أجرت ليبيا انتخابات عام 2014، ولكن هذا أدى إلى إنشاء حكومات متنافسة يدعم كل منها ائتلافات قوية من المليشيات.

كانت هناك حكومة مقرها  في طرابلس يسيطر عليها الإسلاميون والثوريون في الغرب، وحكومة أخرى كانت برلمانا في الشرق يرأسه عقيلة صالح، ويؤيده ما يسمى الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر.. نشبت حرب أهلية مفتوحة، واستغل تنظيم الدولة الإسلامية الوضع، وأقام موطئ قدم قويا له في البلاد.

في 2015 أدت جهود الأمم المتحدة للتوفيق بين البرلمانيْن إلى إنشاء إدارة انتقالية أخرى هي حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج. لكن هذه الجهود تراجعت عندما عملت الفصائل الليبية مع حكومات أجنبية لمواجهة تنظيم الدولة ومعالجة أزمة الهجرة في البحر المتوسط.

بدا أن عملية السلام لا تحرز أي تقدم. ثم في الأسبوع الأخير من مايو/أيار الماضي عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤتمرا دوليا بشأن ليبيا، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يجتمع فيها قادة ليبيا السياسيون والعسكريون. وكانت النتيجة بيانا وعد بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة مع نهاية العام 2018.

ومع ذلك تبقى هناك تساؤلات جدية عما إذا كانت حكومة انتقالية أخرى ستحل أزمة البلاد السياسية.

قادة ليبيا الانتقاليون -وبعضهم من المرشحين للرئاسة- متورطون في اقتصاد الحرب في البلاد ويستفيدون منه. وكذا الحال بالنسبة لعدد من الفصائل المسلحة التي قد ترى الانتخابات بمثابة تهديد لمصالحها، وقد تعطّل العملية قبل أن تبدأ.

هناك أيضا عدد من عمليات السلام التي يجري تداولها بالتزامن، وهو ما يعيق المضي قدما. وهناك مخاطر أمنية جديدة وعدم وجود دستور، مما يقوض شرعية المؤسسات التي لا يزال الكثيرون يرونها انتقالية ومؤقتة.

عنصر من مليشيا تابعة لمدينة الزنتان كانت متمركزة في العاصمة طرابلس (رويترز)

اقتصاد الحرب
اقتصاد الحرب هو العامل الرئيسي الذي يمنع المصالحة السياسية، وقد تطور في السنوات التي تلت انهيار نظام القذافي، وتقوده مئات المليشيات المسلحة التي ظهرت بعد نهب مستودعات أسلحته الضخمة.

بعض هذه المجموعات مُعترف بها رسميا من قبل السلطات الوطنية والحكومات الأجنبية. وهناك مجموعات أخرى تعمل بشكل غير رسمي أو كأمن محلي للمدن أو القبائل أو المجموعات العرقية.

ولتدعم بعضها البعض فهي تندمج معا في هيئات تمويلية عامة مثل مرتبات قطاع الدولة، والتهريب (لا سيما النفط)، والاتجار بالبشر، والاختطاف والسلب وعمليات الابتزاز. وتحتجز هذه المجموعات السكان المدنيين والبنى التحتية الأساسية للبلاد -مثل النفط والكهرباء والماء- كرهائن.

يشكل هذا الاقتصاد تهديدا خطيرا للأمن الإنساني، ويورط ذات الشخصيات التي كانت ضمن محادثات السلام الأسبوع الماضي، ويشمل ذلك السراج وصالح وحفتر وخالد المشري من جماعة الإخوان المسلمين.

لم يتمكن السراج -رئيس البلاد المُعين دوليا- من الإقامة في طرابلس إلا عبر إقامة تحالفات مع نفس المليشيات التي بدأت الحرب الأهلية عام 2014.

أما عقيلة صالح -رئيس البرلمان المُعترف به دوليا- فهو يدين بالكثير للتحالف مع الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر، وهو تحالف منافس من المليشيات. هناك مخاوف من أن يكون حفتر مرشحا رئاسيا قويا، ومن احتمال أن يرفض مؤيدوه الصاخبون الاعتراف بأي نتيجة لا تعجبهم.

يشغل المشري كذلك منصب رئيس المجلس الأعلى للدولة، وهو هيئة استشارية تعمل مع إدارة السراج، وتستمد قوتها من المليشيات الإسلامية في غرب البلاد، وتدعم الذين يقاتلون حفتر في شرقها.

يثير كل هذا مخاوف حقيقية بشأن الانتخابات، فالأمر لا يتعلق فقط بمن يفوز بها: من ستكون مليشياته شرعية ومن لا تكون؟ بل الأهم: هل سيمتلك الفائزون بالانتخابات سلطة سياسية كافية لإخضاع قوات الأمن الليبية الجديدة للحكم المدني وتوفير بدائل واقعية لاقتصاد الحرب الذي يدر ربحا كبيرا؟

ماكرون استضاف أطرافا ليبية ودولية نهاية مايو/أيار الماضي في باريس (رويترز)

التحديات
لكن التغلب على أزمة ليبيا يتجاوز أيضًا تشكيل حكومة وطنية فعالة:

هناك عدد من عمليات السلام التي تجرى في نفس الوقت.. هناك محادثات ليبيا فقط، ومحادثات ترعاها الدول المجاورة مثل الجزائر وتونس ومصر، ومحادثات تقودها قوى حلف شمال الأطلسي التي دعمت تمرد عام 2011. وجود مثل هذا العدد من العمليات يسمح للفصائل باختيار وانتقاء ما يروق لهم وما يريدون مقاطعته.

منذ تعيينه في يونيو/حزيران 2017، حاول مبعوث الأمم المتحدة غسان سلامة تركيز العملية عبر إصدار خارطة طريق خاصة به اقترح فيها تعديل الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015، وعقد "حوار وطني"، واستكمال الدستور، وعقد انتخابات برلمانية ورئاسية، كل ذلك بحلول نهاية عام 2018.

غير أن خارطة الطريق الجديدة التي وقعها ماكرون في باريس زادت الارتباك، فليس واضحا من ستقود هذه العملية: فرنسا أم الأمم المتحدة. وبالنظر إلى حقيقة أن فرنسا قدمت مساعدات عسكرية لقوات حفتر، فإن قيادة الأمم المتحدة لعملية السلام ستساعد على تهدئة المخاوف من كون الغرب يسعى لفرض نفسه على فصائل معينة.

هناك تحدٍ رئيسي آخر هو أنه بعد قرابة سبع سنوات على سقوط القذافي، لا يوجد دستور.. تأجل إكمال الدستور واعتماده لعدم قدرة عدة أطياف على الاتفاق على عدد من القضايا. ويشمل ذلك دور الدين في السياسة، والعلاقات العسكرية المدنية، ومشاركة مسؤولين من النظام القديم. وبدون دستور ترى الفصائل المختلفة في ليبيا مستقبل البلاد السياسي متاحا للجميع.

أخيرا.. هناك مخربون مسلحون يفعلون أي شيء لمنع الانتخابات، إما لأسباب أيدولوجية (مثل تنظيم الدولة) وإما لمنع منافسيهم من الاستيلاء على السلطة. ومن بين الأمثلة على ذلك الهجوم الانتحاري الأخير على مقر اللجنة الانتخابية الليبية في طرابلس.

فإذا لم تعالج خارطة الطريق الجديدة كل هذه التحديات فسيكون مصير الانتخابات الجديدة وأي حكومة انتقالية لاحقة؛ هو الفشل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة