شمال العراق.. صناعة المستقبل بمدخلات الماضي   
الجمعة 1424/10/12 هـ - الموافق 5/12/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

اللغة الكردية هي السائدة في أربيل

* محمد داود - بغداد

لا يبدو شمال العراق معنيا بالاحتلال الأميركي. أربيل تعيش بهدوء شوارعها ولا تئن تحت وطأة أقدام جنود الاحتلال ودورياتهم.

لا معالم للأمركة في شوارع أربيل، لا جنود شقرا أو مجندات قلقات يتنقلون داخل عربات مصفحة، الملابس الغربية تكاد تختفي من أربيل، يبدو أن الأهالي يفضلون في غالبيتهم التعبير بلباسهم عن هويتهم القومية، حتى السيارات الأميركية تختفي هنا ليحل محلها العربات اليابانية الأصغر والأقل استهلاكا للوقود.

لكن أربيل لم تنبذ الأمركة ومعالمها فقط بل لفظت حتى العروبة ومظاهرها، أسماء المحلات بالكردية ولا أثر للعربية إلا فيما ندر، الحديث بين العراقيين في أربيل يدور غالبا بالكردية، لا عرب في أربيل فسكانها الذين يبلغ تعدادهم نحو 1.250 مليون نسمة كرد عدا 10% تقريبا هم من التركمان وبعض الآشوريين.

يتحدث هادي علي المسؤول البارز بالاتحاد الإسلامي الكردستاني العربية بطلاقة وإن لم يفلح في إخفاء عجمته، ويحتفظ في مكتبته التي تغلب عليها كتب التراث الإسلامي بكتاب سيد قطب "في ظلال القرآن"، لكنه حين يتطرق إلى المستقبل فإنه لا يتردد في الإعراب عن رغبته باستقلال شمال العراق عن مركزه.

يذهب هادي الذي يشغل منصب وزير العدل في حكومة أربيل بعيدا في التأكيد على موقفه، فهو يعتقد رغم خلفياته الإسلامية أن حزبه "حزب كردي بالدرجة الأولى" مشددا على أن الوحدة الإسلامية التي يدعو لها الإسلاميون العرب لها مظاهر عدة للتمثل والتعبير.

ويمثل الدكتور صلاح الدين بهاء الدين الاتحاد الإسلامي الكردستاني في مجلس الحكم الانتقالي لكن هادي يعتقد أن هذا التمثيل كان محاولة لإنقاذ وحدة العراق لا دفاعا عن مصالح الأكراد.

فمحافظات الشمال التي لم تجن سوى القمع والدم من علاقتها ببقية أجزاء العراق، بادرت بالمشاركة في المجلس دفاعا عن العراق لا عن مصالح الأكراد الذين أقاموا دولة كأمر واقع في الشمال حسب تعبيره.

ويحكم الأكراد مناطقهم الممتدة شمال الخط 36 بشكل شبه كامل منذ العام 1992، وتدير حكومتان المناطق الكردية: إحداهما في أربيل يقودها أنصار زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود برزاني والأخرى في السليمانية يسيطر عليها أنصار زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني، ويشرف برلمان أعيد توحيده في العام 2002 بضغط أميركي شكليا على عمل الحكومتين.

"نحن لا نشعر بالاحتلال"... "نحن نحكم أنفسنا بأنفسنا"... "كان لدينا هاجس من عودة صدام لمناطقنا، أما بوجود أميركا فقد تلاشى هذا الخوف" هكذا يتعامل هادي علي مع الاحتلال الأميركي للعراق.

مواقف علي قد لا تعجب الكثير ربما من شبان الاتحاد الذين نشؤوا على تعاليم الإخوان المسلمين وأفكار الوحدة الإسلامية، لكنها بالتأكيد تتقاطع مع قناعات الكثيرين من أنصار حزبي الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي.

خليل إبراهيم

ويقول عضو المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي خليل إبراهيم إن الأكراد يجمعون على ضرورة إقامة كيان كردي يرتبط مع بغداد بعلاقة فيدرالية، مشيرا إلى أن الخيار الفيدرالي "حل واقعي يلبي طموحات هذا الشعب ويتناسب مع تضحياته".

وإلى جانب برزاني الزعيم التقليدي القادم من عشيرة عرفت بنضالها في سبيل القضية الكردية، وطالباني المثقف اليساري، يبرز الاتحاد الإسلامي باعتباره القوة الثالثة في أوساط الأكراد. ويقول أنصار الاتحاد إن الحزب منافس قوي للحزبين الرئيسيين إذا ما أجريت انتخابات نزيهة برعاية دولية.

يصر الأكراد ومنهم هادي علي على أنهم أقاموا دولة وأنهم قادرون على المضي قدما بفضل الدعم الأميركي، وعجز دول الجوار عن التصدي للرغبات الأميركية. لكن إبراهيم يعتقد أن المنطقة ليست بحاجة لمزيد من الكيانات الهزيلة، مشددا على أن قيام دولة كردية مستقلة سيجعل منها مجرد ألعوبة بيد الغربيين.

هادي علي يعتقد أن استمرار أعمال المقاومة وسط العراق سيعزز فرص تقسيم العراق لأنه لا مصلحة للأكراد في العلاقة مع مركز غير مستقر مادامت مناطقهم مستقرة وتحظى بمؤسسات تتطور، ولا مصلحة للشيعة ومناطقهم المستقرة نسبيا ومؤسساتهم التي تتطور أيضا بالعلاقة مع وسط فقير ومضطرب.

لكن الاكراد يتجاهلون أن الواقع الذين أقاموه ظل وضعا مؤقتا تأجلت فيه كل الملفات، بفضل جهد أميركي حال دون تفجر العلاقة بين أنصار طالباني وبرزاني.

تجربة كردستان العراق نموذج -رغم الهدوء الطافي على السطح- للحلول الأميركية الوسط التي تظل منتصف الطريق عاجزة عن العودة إلى البدايات أو المضي نحو النهايات السعيدة.

ربما لم يكن هادي علي وكثير من الأكراد منشغلين بما يجري جنوب خط العرض 36، لكن حقائق التاريخ والجغرافيا تفرض نفسها حتى على أولئك الذين يحبون دفن رؤوسهم في رمال الأمنيات.
---------------------------
* موفد الجزيرة نت، مدير تحرير الموقع

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة