كليشي سو بوا الباريسية وأحاديث ممنوعة تملأ الجدران   
السبت 1428/6/7 هـ - الموافق 23/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:42 (مكة المكرمة)، 14:42 (غرينتش)
كتابات حائطية في كليشي سو بوا تهاجم الشرطة (الجزيرة نت)
 
إلياس تملالي-باريس

تبدو ضاحية كليشي سو بوا الباريسية هادئة هدوء الريف الفرنسي الوادع, ولولا كتابات حائطية تكيل أقذع السباب لرجال الشرطة وغضب يسيطر عليه الشباب بصعوبة, لما وجدت شيئاً يذكرك بأحداث جعلت المدينة تتصدر في أكتوبر/ تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني 2005 عناوين صحف فرنسا, وجعلت العالم يسمع بالضاحية الواقعة على أطراف باريس الشمالية.
 
بدأ العنف في تلك الضاحية عندما اصطدم مئات الشباب من أصول مهاجرة برجال الأمن احتجاجاً على موت شابين صعقاً بالكهرباء أثناء ملاحقة الشرطة لهما, واتسعت الأحداث لتعلن حالة الطوارئ في 25 محافظة لمواجهة شغب وصف بالأعنف منذ نصف قرن.
 
وعندما اندلعت أحداث كليشي سو بوا قرر وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي استعمال القبضة الحديدية في مواجهة شباب وصفهم "بالأوباش".
 
سفيان (15 عاماً) واحد من شباب كليشي سو بوا الذين هاجمهم ساركوزي يمشي بطريقة تميز سكان الضواحي الباريسية (متمايلاً ومرسلاً ساقيه إلى الخارج)، لم يشأ الإجابة عما تغير منذ ذلك الحين، وإذا تمنيت له حظاً سعيداً يجيبك "من أجل ماذا؟ لا توجد حياة هنا لتتمنى لي حظاً سعيداً".

الأحياء المراقد
تقع كليشي سو بوا على بعد 15 كلم إلى الشمال من باريس, لكن الوصول إليها بوسائل النقل العامة يستغرق نحو ساعة ونصف, وهي واحدة من مدن كثيرة على أطراف باريس تقطنها أغلبية من أصول مهاجرة في عمارات تعرف بالرمز الفرنسي HLM (أي سكن ذو إيجار معتدل), وكثيراً ما يطلق عليها بالفرنسية "الأحياء المراقد" لضيقها, ما يعني أن الشقق لا تستعمل إلا للنوم.
 
وفي حي "بوا دو تومبل" عمارات زال طلاء بعضها بفعل الرطوبة والزمن, التقيت ثلاثة شبان جالسين عند أحد مداخل أبنيتها, قالوا لي أنت صحفي آخر ممن لا يأتون هنا إلا ليتحدثوا عن العنف دون الالتفات إلى مشكلات البطالة والعنصرية.
 
مشروع لتجديد كليشي سو بوا
يبدأ بعد ثلاثة أشهر (الجزيرة نت)

كثير من الشباب هنا غاضب على طريقة تناول أغلب وسائل الإعلام الفرنسية للاضطرابات, لتركيزها حسب قولهم على من أحرقوا السيارات دون الالتفات إلى عنف في تعامل الشرطة يرونه مبالغاً فيه, لذا فهم يبادرونك بالقول "لا نريد التصوير".
 
يقول لي سامي مستنداً إلى دراجته ومخاطباً رفيقيه أكثر مما يخاطبني إن رجال الشرطة زودوا مؤخراً بمسدسات أميركية حديثة تشل حركة المشتبه به.
 
ويضيف "الكل يتحدث عن مدينتنا, حتى الروس استعملوها ليقولوا للعالم إن مسألة الشيشان لا تمثل شيئاً مقارنة بأحداث كليشي سو بوا".
 
مالك من أصول جزائرية, طالب في باريس حيث يملك غرفة جامعية, وهو يتجنب الإشارة إلى مدينته عندما يسأل عن مقر سكنه, ويفضل الإشارة إلى المنطقة ككل، ويرى أن الحضور الأمني أقل من السابق, ورجال الشرطة لم يعودوا يدخلون الأحياء, لكن اعتداءاتهم متواصلة حسب قوله, لفظية حيناً وجسدية حيناً آخر.

فرنسا و"لَبْلاد"
كثيرا ما يتهم غلاة اليمين الفرنسيين من أصول مهاجرة بأنهم لا يحاولون الاندماج في المجتمع, لكن ذلك إن انطبق على الجيل الأول الحالم بالعودة يوماً إلى بلاده, فإن الجيل الحالي حسم أمر البقاء.
 
يقول مالك إن الجزائر وإن احتلت مكانة خاصة في قلبه لأنها موطن والديه, فإن فرنسا هي بلده, وهو عندما يذهب إلى "لَبْلاد" (الموطن الأصلي بفرنسية المهاجرين من أصول مغاربية) لا يجد ما يربطه بها.
 
ويتحدث للجزيرة نت أحد الكتاب المختصين في قضايا الهجرة وصاحب مؤلف "الإسلاموفوبيا الجديدة" فانسون جيسير فيقول إن قيم شباب الضواحي ونقاط ارتكازه توجد هنا في فرنسا وأنماط استهلاكهم فرنسية وعالمية, وحتى مرجعيتهم في النظر إلى القيم الإسلامية مرجعية فرنسية.
 
وتعليقاً على رصد السلطات الفرنسية 500 مليون يورو لتأهيل النسيج العمراني في كليشي سو بوا ومدينة مونفارماي المجاورة, إما ببناء وحدات سكنية جديدة أو بترميم الموجودة في عملية تنطلق في سبتمبر/ أيلول القادم, يرى جيسير أننا بحاجة إلى تغيير ذهنيات المجتمع وليس فقط تطوير النسيج العمراني.
 
ويؤكد المختص بشؤون الحركات الإسلامية جيل كيبيل في تصريح للجزيرة نت إن المظاهرات لم تكن ضد الاندماج والنموذج الفرنسي بل العكس، أما نتائجها فتوليد ديناميكية سياسية دفعت كثيراً من شباب الضواحي إلى المشاركة في العملية السياسية, عبر تسجيل أنفسهم في قوائم الانتخابات للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة.
 
غير أن سعي بعض الأحزاب الفرنسية لإحداث تنوع عرقي في اختيار المرشحين, يصطدم بالأوامر الفوقية, إذ يُفرض المرشحون من أصول مهاجرة من قيادة الحزب في باريس بدل أن يختارهم الناشطون المحليون في مناطقهم, والسبب أن قيادات الأحزاب تنشد المرشح العربي الذي يمكن التحكم فيه -كما يقول جيسير- وهو ما يعني فشلهم في الاقتراع في أحيان كثيرة.

هوية ثانية
كليشي سو بوا تبعد 15 كلم عن باريس
(الجزيرة نت)
رغم تذكير أحداث كليشي سو بوا  فرنسا وطبقتها السياسية بأحياء الأطراف, فإنها أيضًا عقدت وضعية سكان المدينة على المستوى الفردي.
 
فالتهميش جعل كثيراً من شباب الضواحي يرون في الإسلام -ديانة غالبية المهاجرين- هوية ثانية لا تصطدم بالضرورة مع قيم فرنسا العلمانية, وهي قيم يجب التعايش معها كما يقول كريم أحد هؤلاء الشباب.
 
والشعور بهوية إسلامية قوية لا يعني بالضرورة التزام طقوسه وشعائره, وقد لا تعدم شباباً وهم يشترون اللحم من مجزرة الحي يلحون على صاحب المحل ألا يقدم لهم إلا اللحم الحلال, لكنهم قد يردفون طالبين زجاجة خمر.
 
وفي أحد محالت البقالة تتحدث بانفعال كريمة القادمة من مدينة وهران الجزائرية, والتي تعيش هنا منذ 20 عاماً, إذ تشتكي تحول المدينة في مخيلة كثيرين إلى مدينة "العرب ولَكْحولة" أي العرب والسود, وجاءت أحداث 2005 لتعقد الوضع فمجرد الإشارة إليها في السيرة الذاتية يعني إقصاء المتقدم إلى المنصب, لأن أرباب العمل سيرون فيه مصدر مشاكل.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة