علاء الأسواني على مسارح فرنسا   
الجمعة 1432/12/1 هـ - الموافق 28/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)

فريق مسرحية "كنت أريد أن أكون مصريا" على خشبة المسرح (الجزيرة نت)

بوعلام رمضاني-باريس

استطاع الروائي المصري علاء الأسواني أن يوسع رقعة شهرته مؤخرا إلى العاصمة الفرنسية باريس من خلال مسرحية "كنت أريد أن أكون مصريا"، التي اقتبسها الكاتب الفرنسي جيل غوتييه عن روايته "شيكاغو"، وأخرجها جان لوي مارتينيلي.

وتأتي المسرحية في إطار المشروع الدولي للمسرح "حدود سائلة"، بالتعاون مع لجنة البرنامج الثقافي للاتحاد الأوروبي -2007 و2013- واتحاد المسارح الأوروبية، وستقدم في الثالث والرابع من نوفمبر/تشرين الثاني على خشبة مسرح الفنون بمقاطعة شالون سير سون الواقعة وسط شرق فرنسا.

وعالجت المسرحية، التي حضرتها "الجزيرة نت" في مسرح الأمندييه بباريس وسط جمهور كبير، مختلف مظاهر الأزمة المصرية التي أدت إلى انفجار الثورة ووضعت حدا للحكم الدكتاتوري في مصر.

وجسدت معاناة المصريين من خلال شخصيات رسمها الأسواني بروح المتعمق في واقع فئات اجتماعية عبرت في شكل مسرحي "حكواتي" عن القهر السياسي والمنفى والحرمان، ونطقت بثلاثية "المحرمات" -السياسة والدين والجنس- ولو بملح زائد يرادف إثارة زعزعت إيقاع مسرحية لم تكن في حاجة إلى ثلاث ساعات كاملة.

جسدت المسرحية معاناة المصريين من خلال شخصيات رسمها الأسواني بروح المتعمق في واقع فئات اجتماعية عبرت في شكل مسرحي "حكواتي" عن القهر السياسي والمنفى والحرمان
تقنية الحكواتي
وأول ما يلفت الانتباه في مقاربة جان لوي مارتنيلي الإخراجية، تبنيه تقنية "الحكواتي" باعتبارها مرجعية مسرحية عربية وغربية في آن واحد، تسمح بتجسيد أداء عقلاني يكسر الإيهام ويضمن المشاهدة النقدية التي تعتبر جوهر النظرية التي اشتهر بها برتولد بريخت.

هذه التقنية المتجذرة في التراث العربي والسابقة لتنظير بريخت، هي نفسها التي ألهمت الفنانَين المغربيَّين الطيب الصديقي وعبد الكريم برشيد، والراحلَين الجزائريين علولة وكاكي.

ومن بين أهم الشخصيات الحكواتية التي تبادلت الأدوار والصراعات الدرامية المحورية وأرادت أن تكون مصرية الطالب والشاعر المصري المسلم ناجي (منير مرغوم) في دور المكبوت جنسيا والمندد بنظام مبارك الذي زرع مخابراته لملاحقة الطلبة في الجامعات المصرية والأجنبية، من أمثال غراهام (لوك مارتان ميير) وصفوت شاكر (لوران غريفيل) والطبيب الجراح كرم دوس (عزيز كابوش) القبطي الذي استوى في معاناته مع ناجي المسلم، بحكم تعرضهما لعذاب المنفى المفروض على كل المعارضين الذين تمنوا العيش كمصريين كاملي الحقوق.

وعبرت شخصيات أخرى عن نماذج اجتماعية تعكس الانتهازية والعقلية الزوجية التقليدية والأفكار المسبقة، مثل إريك كاروزو في دور دنانا وفريدة رواج في دور مروة، فضلا عن وندي (ماري دنارنو) اليهودية والأميركية الإيطالية الأصل التي أحبت ناجي أكثر حينما أثبت لها زيف فكرة كره المسلمين لليهود والأميركيين، تحت وطأة دعاية صقور البيت الأبيض الذين شوهوا الإسلام والمسلمين بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ودعموا "خادمهم الطائع مبارك" كما جاء على لسان ناجي.

بتحول رواية "شيكاغو" إلى مسرحية ناجحة في سياق أوروبي يكون الأسواني قد حقق نقلة أدبية وفنية نوعية
نجاح رغم الشطط
وكما قال الراحل الطاهر وطار متحدثا عن الأدباء العرب الذين يبدعون في أوروبا وفرنسا بوجه خاص وعينهم على الغرب، فقد غازلت المسرحية الجمهور الفرنسي بحشو اتخذ بعدا أكثر إثارة بتواطؤ مخرج بالغ في تصوير الحرمان الجنسي لناجي، مفصولا عن جوهر الإشكالية الدرامية، فضلا عن وندي صاحبة القد الممشوق التي خرجت عارية على المتفرجين.

ومع ذلك، ورغم الشطط والشطحات المجانية المذكورة، يمكن القول إن الأسواني قد دخل التاريخ السياسي والسوسيولوجي المصري والعربي مجددا من خلال رواية شهيرة عولجت مسرحيا بمهارة فنية راقية، وبمقاربة فكرية جمعت بين أصالة ومعاصرة شكل يشترك فيه الأوروبيون والعرب على السواء، وبمضمون عكس بذور الثورة المصرية والثورات العربية الجارية.

كما وجه المخرج مارتينلي ممثلين نوعيين باقتدار كبير، وهو صاحب تجربة مسرحية توزعت بين تأسيس مسرح الريفكتوار في ليون عام 1977 وإدارة مسرح المدينة نفسها انطلاقا من عام 1987 ومسرح ستراسبورغ الوطني من عام 1993 حتى عام 2002 تاريخ تسلمه مهام إدارة مسرح الأمندييه، وأخرج 51 مسرحية أشهرها أوبيرا الأربعة قروش لبريخت و"الأم والعاهرة" لجان أستاش وغيرها.

غازلت المسرحية الجمهور الفرنسي بحشو اتخذ بعدا أكثر إثارة مع مبالغة المخرج في تصوير حرمان ناجي الجنسي مفصولا عن جوهر الإشكالية الدرامية
ذاكرة مبدع
ويمكن فهم خلفية اقتباس رواية شيكاغو وترجمتها مسرحيا إلى اللغة الفرنسية، بالعودة إلى هوية المبدع الأدبية المرادفة لذاكرة شخصية وثقافية ولغوية مزدوجة التوجه والانتماء، فالأسواني المولود عام 1957 في عائلة مثقفين من أب كاتب -عباس الأسواني- درس في ثانوية فرنسية بمصر قبل شده الرحال إلى شيكاغو لدراسة جراحة طب الأسنان.

وتحولت معايشته اليومية لمهاجرين مصريين إلى مرجعية سوسيولوجية مكنته من استلهام حياة علمية وشخصية تكللت برواية استبقت أحداثها وشخصياتها موعد العرب والمصريين مع ثورات الحرية والكرامة.

وبتحول رواية شيكاغو التي نشرها عام 2006 إلى مسرحية ناجحة في سياق أوروبي وعربي مناسب بعد أن عرفت رواية "عمارة يعقوبيان" نجاحا روائيا وسينمائيا غير مسبوق عام 2002، يكون الروائي الذي عارض مبارك (كان عضوا في حركة كفاية) قد حقق نقلة أدبية وفنية نوعية دفعت به إلى صدارة الأحداث الثقافية العربية والأوروبية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة