الجزائر بين الإصلاح والشك في التغيير   
الخميس 1432/8/28 هـ - الموافق 28/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)

 

أبرزت دراسة جديدة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن النظام الجزائري نجح -من خلال تبنيه خيار الإصلاح المتدرج وفق أجندة مسيطر عليها- في تجنب وقوع ثورة تطالب بسقوطه رغم اندلاع الكثير من الاحتجاجات المطلبية الاجتماعية.

وأشار الباحث عصام بن الشيخ الذي أعد الدراسة إلى أن النظام بـالجزائر يراهن على شرعية الإنجاز التي يتمتع بها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من خلال "نجاح" مشروعه للمصالحة الوطنية واسترجاع السلم الأهلي من أجل تمرير الإصلاحات وكسب الوقت.

غير أن الدراسة التي تحمل عنوان "مشروع الإصلاح السياسي في الجزائر: مبادرة تاريخية للتغيير أم استمرار احتكار السلطة للصواب؟" تشير إلى عامل آخر ساهم في بقاء الاحتجاجات في الجزائر بعيدة عن مطلب إسقاط النظام وهو خشية الشارع الجزائري من عودة البلاد إلى زمن المواجهات الدامية في تسعينيات القرن الماضي.

ولفتت الدراسة إلى أن مستويات الاحتجاج الشعبي الحالية في الجزائرية تقف عند حد أداء الحكومة الجزائرية، مع وجود بعض الأصوات المكبوتة المطالبة بإسقاط النظام.

ويروج الخطاب الرسمي للدولة ووسائل الإعلام التابعة له أن هذه الاحتجاجات لا تزال في حدود القضايا المطلبية الحياتية والاقتصادية "ما يعطي الانطباع بأنّ الرئيس لا يزال يمتلك شعبية جماهيرية وأنّ الجزائريين يثمّنون عودة السلم الأهلي، والمحافظة على الاستقرار السياسيّ والأمنيّ في عهد بوتفليقة، بفضل سياسته للمصالحة الوطنية، ويمنحونه الفرصة لمواصلة تنفيذ برنامجه الانتخابيّ".

إلا أن بن الشيخ يؤكد على أن الخطاب الذي توجّه به الرئيس إلى الشعب الجزائريّ في 15 أبريل/نيسان الماضي -وقدّم فيه رؤيته للإصلاح السياسي ومنح الجزائريين مزيداً من الحريات، وإنهاء حالة الطوارئ- يمثل استجابة سريعة للتحولات المحلية والإقليمية على إثر زيادة الاحتجاجات الشعبية في عدد من البلدان العربية، كما هو استجابة لمطالب الطبقة السياسية الجزائرية التي زاد إلحاحها على إحداث التغيير الداخلي قبل فوات الأوان.

ويرى بن الشيخ أن أبعاد ودلالات المبادرة الرسمية للإصلاح التي تقدّم بها بوتفليقة تعني أن الخيار القائم هو إطباق السيطرة والإشراف الرئاسي التام على روزنامة "التغيير المتدرّج" والعمل على إدارة وامتصاص الغضب الشعبي.

جزائريون يعتصون احتجاجا على الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية (الجزيرة نت-أرشيف)
"الجزائر استثناء"
وفسر الباحث استجابة الرئيس السريعة في خطاب مبادرة الإصلاح بأنها اعتراف رسميّ بشطب أطروحات دعاة "الجزائر استثناء"، واعتراف بأن خروج الجزائريين إلى الشارع هو مسعى مشروع، يهدف إلى المطالبة بإطلاق الحريات والديمقراطية الحقيقية، لتحقيق التغيير السياسيّ.

وأضاف أن خطاب الرئيس بوتفليقة جاء في سياق زمني وظروف داخلية تسودها الخشية من مآلات المستقبل السياسيّ للبلاد، والخشية من تكرار التجربة "البومدينية" (نسبة إلى الرئيس الراحل هواري بومدين 1965-1978) في بناء دولة ترتهن قوتها بمصير قادتها لا بمصير مؤسساتها الراسخة وبنائها الديمقراطيّ المتجذر.

وعرج بن الشيخ على مجمل التعديلات المقترحة على الدستور والقوانين الأساسية مثل قانون الأحزاب وقانون الانتخابات وتمكين المرأة من المشاركة في الهيئات المنتخبة وإطلاق حرية الإعلام وتعديل القانون الخاص بوسائل الإعلام.

الدراسة قالت إن أحزاب المعارضة تطالب بإسقاط النظام وتغييره (الجزيرة نت-أرشيف)
الموالاة والجماهير
وركز في هذا السياق على مسألة إعادة الروح إلى السلطة التشريعية لأداء دورها الرقابي عن طريق تعزيز صلاحيات وقوة الغرفة السفلى للبرلمان المنتخبة (المجلس الشعبي الوطني) والحد من هيمنة الغرفة العليا (مجلس الأمة) المعينة في أغلبها.

وقال الباحث إن العمل بنظام الغرفتين في المجلس التشريعي تمّ اعتماده بالأساس في دستور 1996 من أجل أن تكبح الغرفة العليا الغرفة السفلى في حال أفرزت الانتخابات نتائج لصالح أية أحزاب تسعى للسيطرة على السلطة التشريعية ومحاسبة الحكومة وتهديدها بسحب الثقة، ما قد ينتج حالة من اللا استقرار السياسي للحكومة.

وأوضحت الدراسة أن تصريحات المسؤولين السياسيين على مستوى السلطة والأحزاب، تدلّ على أنّ جبهة الموالاة تسعى لتحريك جماهيرها ووعائها الانتخابيّ في خندق التيار القائل بجديّة مبادرة رئيس الجمهورية للإصلاح، والمراهن على البقاء في السلطة، في حين ترفض أحزاب المعارضة مشروع الإصلاح الرئاسي من أساسه وتطالب بإسقاط النظام وتغييره نظرا لشكها الدائم في نوايا السلطة في إحداث تغيير حقيقي.

لا يزال النظام السياسيّ يرفض الانفتاح على الإسلاميين على الرغم من التنازلات الكبيرة التي قدمها هؤلاء لدعم مسعى الرئيس في تحقيق المصالحة الوطنية
خلاصات الدراسة
وتوصّلت الدراسة إلى جملة من النتائج التي تجيب على الإشكالية المطروحة، يمكن تحديدها في النقاط التالية:

1- يراهن النظام السياسيّ في الجزائر على الشرعية السياسية التي يمتلكها بوتفليقة، لإطلاق مبادرة الإصلاح وفرض احتكاره الإشراف عليها.

2- استطاعت هيئة المشاورات السياسية التي أنشأها الرئيس بوتفليقة لجمع مقترحات الفعاليات السياسية والاجتماعية بشأن التغيير أن تغطّي مطالب معظم الشرائح والحساسيات السياسية في التغيير السياسيّ المطلوب، لكنّها رفضت الاستماع لمطالب الإسلاميين المنتمين إلى التيار المحظور (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) منذ ما يقارب عشرين عاما.

3- لا يمكن للنظام السياسي تجاهل ضرورة المبادرة بتعديل قانوني الأحزاب والانتخابات لأنّ العزوف السياسيّ للناخبين سيشكّل نكسة للديمقراطية الصورية القائمة ويدفع باتجاه توسيع رقعة الاحتجاجات.

4- لا يزال النظام السياسيّ يرفض الانفتاح على الإسلاميين على الرغم من التنازلات الكبيرة التي قدمها هؤلاء لدعم مسعى الرئيس في تحقيق المصالحة الوطنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة