التضخم الكوني وتفسيره للكون   
الخميس 27/5/1435 هـ - الموافق 27/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:35 (مكة المكرمة)، 11:35 (غرينتش)
المرصد "بايسب2" (في المقدمة) تمكن من العثور على أول دليل على التضخم الكوني (الأوروبية-أرشيف)

*د. محمد قاسم

صيحة مدوية من علماء الكونيات قد تعني أن جائزة نوبل ستقدم في السنوات القليلة المقبلة لعالم الفيزياء النظرية والكونيات "ألان غوث" (Alan Guth) وإلى مجموعة أخرى من العلماء لاكتشاف وإثبات صحة نظرية التضخم الكوني.

رصد العلماء السماء من خلال مرصد "بايسب2" (BICEP2) المتواجد في القارة القطبية الجنوبية، وبعد دراسات متأنية ودقيقة على مدى السنوات الثلاث الماضية توصلوا إلى أن التضخم في بداية تكوّن الكون ما قبل الاتساع قد حدث فعلا، وأن تموجات الجاذبية دلت على ذلك بعد التمحيص في تفاصيل الإشاعات الكونية الخلفية الماكروية، وإن أُكّدت صحة هذه المعلومات التي نشرت عبر وسائل الإعلام بحماس بالغ فذلك يعني أننا في نقطة تاريخية مفصلية بتثبيت مفاهيم مهمة عن نشأة الكون.

لا يغيب عن أحد مفهوم اتساع الكون من نقطة صغيرة جدا، معلومة يعرفها الصغير والكبير في عصرنا الحالي، حيث بدأت مسيرة الكون من نقطة تضخمت بسرعة هائلة (الانفجار العظيم) قبل نحو 14 مليار سنة، ثم اتسعت ليصبح الكون على ما هو عليه الآن، ليحتوي على المجرات والنجوم والكواكب والغازات وما إلى ذلك من مواد.

وهو أيضا يحتوي على ما اكتشفت دلائله مؤخرا من مادة داكنة، وهي مادة غير كل تلك المواد التي نعرفها من جسيمات مكونة لمحتوياته -مادة أو مواد لا يعرف العلماء هويتها حاليا، وكذلك فإن من المعروف أن الكون يتمدد بتعجل بسبب أمر آخر يلقب بالطاقة الداكنة، وهي التي تدفع نسيجه بسرعات تفوق سرعة الضوء وبتعجل، وبحسب ما يعرفه العلماء فإن التمدد هذا سيستمر إلى ما لا نهاية، فالكون الذي بدأ بنور شديد القوة سينتهي إلى ظلمة شديدة العتمة.

بعد ظهور الكون في نقطة صغيرة وقبل انطلاقه للاتساع كانت هناك مرحلة حرجة تسمى التضخم الكوني (Cosmic Inflation)، وهي التي أسست لاتساعه ووصوله لما هو عليه الآن، حينما كان الكون أصغر من البروتون (وهو الجسيم الموجود في نواة الذرة) ببليون بليون بليون مرة تضخم بسرعة أُسيّة (تضاعفية) إلى أن أصبح حجمه بقدر حجم برتقالة أو أكبر بقليل، بحسب بعض العلماء. الفارق بين حجم البرتقالة والنقطة الابتدائية هائل جدا، والتضخم الكبير هذا حدث في أجزاء متناهية الصغر من الثانية.

صورة من مرصد بايسب2 توضح الحرارة
في الإشعاعات الكونية الخلفية الماكروية (أ ب)

هذه السرعة الهائلة في تمزيق نسيج الكون تأتي بعد الانفجار العظيم مباشرة، وهي تعالج أمورا لم يستطع العلماء علاجها في ما يرونه من تفاصيل دقيقة للكون، بل تذهب نظرية التضخم الكوني إلى ما هو أبعد من تفسير ما هو بداخل الكون وإلى أكوان متعددة يكون فيها كوننا واحدا من تلك الأكوان.

حينما ينظر العلماء إلى السماء من حولهم يجدونها مليئة بالمجرات في جميع الاتجاهات، والغريب أنها موزعة في الفضاء بتجانس كبير، وكذلك لو أنهم رصدوا السماء من على الكرة الأرضية أو رصدوها من أي كوكب آخر في أي مجرة أخرى بعيدة جدا فسيرون أنها متناظرة لا اختلاف فيها من حيث توزيع المجرات، فكيف لانفجار هائل أن يصنع هذا التجانس والتناظر؟ وبالمقارنة لو أننا رمينا قنبلة في الأجواء وانفجرت لتطايرت الأشلاء في كل جهة بعشوائية، ولكانت هناك جهة مليئة بالأشلاء وأخرى خالية منها، فلن يكون هناك أي تجانس، ولو أننا وقفنا في وسط تلك الأشلاء ونظرنا لها من حولنا ثم انتقلنا إلى مكان آخر وأعدنا النظر فسنجد اختلافا في توزيعها، شتان بين انفجار القنبلة والانفجار العظيم.

كيف يعرف العلماء عن هذا التجانس والتناظر؟ إنهم يعلمون ذلك من خلال رصد الإشعاعات الكونية الخلفية الماكروية، والتي تكونت بعد 380 ألف سنة بعد الانفجار العظيم، هذه الأشعة متجانسة في حرارتها، ولا تختلف عن بعضها بعضا إلا بقدر جزء واحد من مائة ألف جزء حراري.

هذا الانسجام في درجة الحرارة هو دليل مباشر على أن الكون متجانس ومتناظر حاليا، لأن المجرات بما فيها وما حولها أتت من تلك المكونات الموجودة في الخلفية الكونية، فكيف يمكن للحرارة الإشعاعية أن تنتقل وتنتشر وتتساوى فيه تقريبا بسرعة، فلو أننا سخنا ماء في قنينة من جهة فستنتقل الحرارة إلى جميع الجهات في فترة زمنية معينة، لذا يتساءل العلماء كيف يمكن أن تصل الحرارة من طرف إلى طرف في هذه الخلفية المايكروية بسرعة تفوق سرعة الضوء؟ إنه أمر مخالف للقوانين الكونية.

لذا فإن التضخم المفاجئ والأسي سيكون أحد الحلول لهذه المعضلة، فحينما يبدأ الكون بنقطة صغيرة ومركزة من الطاقة وتكون هذه النقطة متجانسة ثم تتسع بسرعة فائقة فإن مكونات هذه النقطة ستتسع بسرعة وتنتشر بالتساوي في كل الجهات تقريبا بملاحظة أن الكون يمكنه أن يتسع بسرعات أكبر من سرعة الضوء (الضوء هو أسرع ما في الكون، ولكن الكون الذي يحتويه يتسع في المسافات الشاسعة بسرعات تفوق سرعة الضوء بكثير).

أضف إلى ذلك أن نظرية التضخم الكوني تعالج تسطيح الكون، وهذه نقطة أخرى تحتاج لشرح مطول، وسيكون لها نصيب في مقالة أخرى، ولكن ما هو أدهى من هذه التفسيرات هو ما يمكن استنتاجه من هذه النظرية من وجود أكوان متعددة غير كوننا هذا، فكوننا تكوّن من نقطة صغيرة من اضطرابات أو تقلبات كمية، بعضها ينفجر ويتمدد باستمرار كما يحدث لدينا، وبعضها ينهار على نفسه، وتحدث هذه الاضطرابات الكمية في أنحاء متفرقة من الكون، ومن كل منها ينتج كون مستقل عن الآخر.

إثبات وجود أكوان متعددة بعيد المنال، وحتى إثبات التضخم الكوني الذي صدر مؤخرا فهو يحتاج لتأكيد من علماء أخرين، وإذا ما أثبتت هذه النظرية بما لا يدع مجالا للشك فلربما سيكون هناك ما يدعو للاعتقاد بوجود أكوان أخرى. إلى ذلك الحين، سنكون بانتظار التأكيد على النتائج في الأشهر أو السنوات القليلة المقبلة، ثم لنرى ما يمكن أن يأتي به العلماء من نظريات جديدة تعتمد على التضخم الكوني.

______________
*أستاذ مساعد في كلية الدراسات التكنولوجية-الكويت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة